في مرحلة المراهقة تبدأ ملامح الشخصية في التشكل ويصبح تحمل المسؤولية أحد أهم العوامل التي تصنع الفارق بين شاب قادر على مواجهة الحياة وآخر يعتمد كليا على غيره.
فالمراهق الذي يمنح الفرصة للاحتكاك بواقع الحياة بما يحمله من واجبات وتحديات يكتسب نضجا عقليا مبكرا، بينما يؤدي عزل الأبناء عن متطلبات الحياة اليومية بدافع الخوف أو الرفاهية الزائدة إلى إضعاف قدرتهم على التفكير المستقل واتخاذ القرار مهما بلغ مستواهم التعليمي.
تحميل الأبناء المسؤولية لا يعني القسوة أو حرمانهم من حقوقهم، بل هو تدريب عملي على الحياة. وعندما يكلف الابن بمهام تتناسب مع عمره وقدراته فإنه يكتسب مهارات أساسية مثل الانضباط إدارة الوقت وتحمل نتائج أفعاله. هذه المهارات لا تدرس في الكتب، بل تبنى بالممارسة اليومية. كما أن تعويد الأبناء على اتخاذ قراراتهم حتى في الأمور البسيطة ينمي لديهم الثقة بالنفس والقدرة على التحليل والموازنة بين الخيارات. ومن الجوانب المهمة أيضا التربية المالية، فالابن الذي يتعلم كيفية إدارة ميزانية محدودة يدرك قيمة المال ويتعلم التخطيط والادخار ويصبح أكثر وعيا عند الإنفاق.
وتتعدد أشكال المسؤوليات التي يمكن غرسها في حياة الأبناء، بدءا من المشاركة في الأعمال المنزلية مثل التنظيف أو التسوق وهي مهام تعزز روح التعاون والانتماء للأسرة، مرورا بمنحهم ميزانية خاصة يتحملون مسؤولية إدارتها، وصولا إلى تشجيعهم على خوض تجارب العمل الجزئي في سن مناسبة. هذه التجارب مهما بدت بسيطة تزرع في نفوسهم احترام الجهد وقيمة الكسب وتعدهم نفسيا وعمليا لسوق العمل والحياة المستقلة.
في المقابل تؤدي الرفاهية الزائدة وتلبية كل مطالب الأبناء دون حدود إلى نتائج عكسية. فقد أظهرت ملاحظات اجتماعية عديدة أن الإفراط في الحماية والدلال، قد يؤخر النضج العقلي لدى بعض الشباب حتى أواخر العشرينات، حيث يجدون صعوبة في تحمل المسؤولية أو مواجهة الضغوط. إن منح الأبناء كل ما يطلبون دون جهد منهم، يخلق لديهم شعورا بالاستحقاق الدائم ويضعف قدرتهم على الصبر والمثابرة وهما عنصران أساسيان للنجاح في الحياة.
وهنا يبرز الدور المحوري للأهل، فهم الجهة الأولى المسؤولة عن إعداد الأبناء للحياة.
المطلوب من الوالدين ليس إزالة العقبات من طريق الأبناء، بل تعليمهم كيف يواجهونها. تحميل الأبناء تحديات مناسبة والسماح لهم بالخطأ والتعلم منه أهم بكثير من حمايتهم المفرطة التي تحرمهم من الخبرة.
التوازن بين الدعم والتكليف هو مفتاح التربية الناجحة حيث يشعر الابن بالأمان وفي الوقت نفسه يتحمل مسؤولية نفسه وقراراته.
في الختام يبقى تحميل الأبناء المسؤوليات ضرورة لا غنى عنها لإعدادهم لمواجهة الحياة بثقة ووعي. فالعالم لا يرحم من لم يتعلم كيف يعتمد على نفسه وتعليم الأبناء مهارات الحياة منذ الصغر هو استثمار حقيقي في مستقبلهم.
الأبناء الذين يربون على تحمل المسؤولية، يصبحون أكثر نضجا وأقدر على التكيف وأكثر استعدادا لبناء مجتمع قوي ومتوازن
