الثورة / متابعات
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، وبينما يستعد المسلمون في كل مكان لاستقباله كموسم طاعة وعبادة وفرح، تشهد مدينة القدس المحتلة تصعيدًا غير مسبوق في الإجراءات العسكرية الصهيونية، وسط تحذيرات من تحويل المدينة إلى معسكر أمني مفتوح.
انتشار مكثف للقوات، وتشديد للحواجز، وتضييق على المقدسيين والمصلين، في وقت تؤكد فيه جهات مقدسية وباحثون أن ما يجري ليس إجراءات أمنية عابرة، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى عسكرة القدس وفرض وقائع جديدة على الأرض.
نحاول في هذا التقرير رصد ملامح التصعيد الصهيوني، وأبعاده السياسية والأمنية، وانعكاساته على حياة المقدسيين وشهر رمضان في المدينة المقدسة.
معسكر أمني مفتوح
رئيس الهيئة المقدسية لمواجهة التهويد، ناصر الهدمي، قال إن سلطات الاحتلال شرعت خلال الأيام الأخيرة بتنفيذ إجراءات عسكرية وأمنية غير مسبوقة في مدينة القدس المحتلة، في إطار سياسة ممنهجة لعسكرة المدينة وتحويلها إلى معسكر مفتوح، استعدادًا لشهر رمضان المبارك.
وأوضح الهدمي، أن هذه الإجراءات شملت نشر أعداد كبيرة من قوات الاحتلال الخاصة وشرطة حرس الحدود في أحياء القدس، ولا سيما في محيط المسجد الأقصى المبارك والبلدة القديمة، إلى جانب إقامة حواجز عسكرية متنقلة وثابتة تعيق حركة المقدسيين وتقيّد وصولهم إلى أماكن العبادة.
ويرى أن الاحتلال يسعى من خلال هذه السياسة إلى فرض وقائع أمنية جديدة في المدينة، وتحويل شهر رمضان من موسم عبادة وتواصل اجتماعي إلى موسم قمع وتوتر، في محاولة لكسر الإرادة المقدسية ومنع أي مظاهر دينية أو جماهيرية في المسجد الأقصى المبارك.
ويعتقد :الهدمي”، أن ما يجري جزء من مخطط أوسع يهدف إلى إحكام السيطرة على القدس وتفريغها من بعدها الديني والإنساني، عبر التضييق المتعمد على المصلين، وفرض قيود عمرية وزمنية على دخول المسجد الأقصى، تحت ذرائع أمنية واهية.
ولفت إلى أن عسكرة القدس تترافق مع تصعيد خطير في الاقتحامات المستوطنين اليومية للمسجد الأقصى، بحماية قوات الاحتلال، في ظل صمت دولي مخزٍ، ما يشجع دولة الاحتلال على المضي قدمًا في سياساتها العدوانية دون أي مساءلة.
وحذر “الهدمي” من أن استمرار هذه الإجراءات من شأنه تفجير الأوضاع في المدينة، مؤكدًا أن الاحتلال يتحمل كامل المسؤولية عن أي تداعيات ناتجة عن سياساته الاستفزازية، خاصة في شهر له خصوصية دينية ووطنية لدى الشعب الفلسطيني.
ودعا رئيس الهيئة المقدسية أبناء الشعب الفلسطيني في القدس والداخل الفلسطيني إلى شدّ الرحال إلى المسجد الأقصى، والتواجد المكثف فيه، والتصدي السلمي لمحاولات الاحتلال فرض واقع أمني جديد يهدف إلى كسر ارتباط المسلمين بأقصاهم.
وطالب “الهدمي” المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية بتحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والتحرك العاجل لوقف عسكرة القدس، ووضع حد لانتهاكات الاحتلال التي تستهدف المدينة المقدسة وسكانها، خاصة مع اقتراب شهر رمضان المبارك.
خطة مدروسة
من جهته، قال الباحث في شؤون القدس إسماعيل مسلماني، إن الاحتلال يواصل تنفيذ خطة أمنية مدروسة لعسكرة مدينة القدس المحتلة، وتحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة، في سياق استعداداته لشهر رمضان، ضمن رؤية أمنية تهدف إلى فرض السيطرة الكاملة على المدينة.
وأوضح “مسلماني”، أن هذه الخطة تتجلى من خلال الانتشار المكثف لقوات الاحتلال في محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة، واستخدام وسائل مراقبة متطورة، إضافة إلى تشديد الإجراءات على الحواجز، ما يعكس نية إسرائيلية واضحة لإدارة رمضان بعقلية عسكرية بحتة.
ويرى أن الاحتلال يتعامل مع القدس باعتبارها ساحة أمنية لا مدينة مأهولة بالسكان، في تجاهل تام للبعد الديني والإنساني للمدينة، ومحاولة لتطويع المقدسيين عبر سياسة الردع والقمع المسبق.
ولفت “مسلماني” إلى أن عسكرة القدس لا تنفصل عن مشروع التهويد الشامل، الذي يستهدف تغيير الطابع العربي والإسلامي للمدينة، من خلال التحكم في الحركة، والوجود العسكري الدائم، وفرض قوانين طوارئ غير معلنة خلال شهر رمضان.
وأضاف أن هذه الإجراءات تهدف إلى تأمين اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، وتوفير بيئة أمنية تسمح لهم بأداء طقوس استفزازية، مقابل التضييق على المصلين المسلمين ومنعهم من ممارسة شعائرهم بحرية.
وحذر “مسلماني” من أن هذه السياسات ستؤدي إلى مزيد من الاحتقان والغضب الشعبي، خاصة في ظل تراكم الانتهاكات، مؤكدًا أن الاحتلال يسعى إلى فرض معادلة أمنية جديدة تقوم على القمع الاستباقي بدل احترام حرية العبادة.
وأكد أن القدس تشهد سنويًا تصعيدًا أمنيًا مع اقتراب رمضان، إلا أن ما يجري هذا العام يحمل طابعًا أكثر خطورة وتنظيما، ما يشير إلى نية الاحتلال اختبار أدوات جديدة للسيطرة طويلة الأمد على المدينة.
ودعا “مسلماني” إلى ضرورة فضح هذه السياسات على المستويين الإعلامي والدولي، والعمل على توثيق الانتهاكات، وتعزيز الحضور الشعبي والحقوقي للدفاع عن القدس ومقدساتها في وجه محاولات تحويلها إلى ثكنة عسكرية.
ورغم حملات الإبعاد والترهيب والسيطرة إلا أن الفلسطينيين يصرون على عمارة المسجد الأقصى، ويؤكدون أنهم جاهزون لإفشال كل مخططات السيطرة والتهويد وتغيير هوية مسجدهم الأقصى مهما بلغت التضحيات.
