-من النادر جداً أن ينطق الرئيس الأمريكي صدقا ومن هذه المرات القليلة التي كان فيها صادقا قوله إن منظمة الأمم المتحدة ومنذ أن ورثت ما كان يسمى عصبة الأمم عقب الحرب العالمية الأولى، لم تفعل شيئا إيجابيا طوال أكثر من سبعة عقود.
-رأى دونالد ترامب المهووس حتى النخاع بالعظمة والمال أن الوقت قد حان لاستبدال المنظمة الدولية بكيان آخر أكثر فاعلية وتأثيرا ولكن على هواه ووفق رؤاه ورغباته ومصالحه الشخصية وطموحاته الاستثمارية بعيداً عن المبادئ والقيم الإنسانية المتعارف عليها دوليا.
-بدأ الرئيس المثير للجدل مبكرا مرحلة التمهيد لهذا التحول بشن الهجوم إثر الآخر على الأمم المتحدة، فوصفها مرارا بالعجز والعقم والسلبية وباشر تقليص الدعم لمؤسساتها الإنسانية والحقوقية وفرض عقوبات على أخرى وانسحب من العديد من هيئاتها وهي التي عجزت – كما قال – يوما عن مجرد صيانة السلّم المتحرك أو إصلاح جهاز التلقين الصوتي للقادة أثناء القاء خطاباتهم.
– تأسست الأمم المتحدة بشكلها الحالي عام 1945م عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وقامت على مبادئ وقوانين ومواثيق ومعاهدات إنسانية رائعة على المستوى النظري وهدفت إلى إرساء الأمن والسلام في العالم واحترام حقوق الإنسان والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحل النزاعات بالطرق السلمية ومنع احتلال أراضي الغير بالقوة وغير ذلك من القيم الإنسانية الراقية، لكن ذراع المنظمة المتمثل في مجلس الأمن تخلله الكثير من العيوب في نظامه، فالخمسة الأعضاء الدائمين المنتصرين في الحرب، تم إعطاؤهم حق النقض الفيتو، أما العشرة الآخرون أعضاء المجلس فليس لمواقفهم قيمة أو أثر أما قرارات الجمعية العامة للمنظمة، فهي غير ملزمة وفق النظام الأساسي، لتبقى قضايا ومصالح الشعوب رهينة رغبات القطبين الحاكمين للعالم حتى بداية التسعينيات، حين انهار الاتحاد السوفيتي وظهر ما يسمى القطب الواحد وكان العالم قد شهد خلال مرحلة القطبية الثنائية حروبا وصراعات وسباق تسلح نووياً وبات ما تمتلكه دولة نووية واحدة كفيل بتدمير الكوكب ومن عليه.
– اليوم يطل علينا الرئيس ترامب بمجلس سلام جديد -لم يقل صراحة- أنه بديل للأمم المتحدة، لكن كل المؤشرات والمعطيات تدل على ذلك، غير أنه لا يمتلك شيئا من تلك المبادئ والقيم والمواثيق التي قامت عليها الأمم المتحدة، ما يشي بمرحلة غير مسبوقة من الفوضى والصراعات في العالم خصوصا وقد باشر إمبراطور السلام الجديد بالتهديد بمحو دولة مترامية الأطراف مثل الجمهورية الإيرانية من الوجود.
-الطامة الكبرى في هذا المجلس أن من يرأسه لا يبدي أي اهتمام أو احترام لمبادئ القانون الدولي ويؤمن إيمانا راسخا بأن من حق القوي أن يفعل ما يشاء ويصادر حقوق الآخرين وثرواتهم ويحتل الدول ويخطف الرؤساء والقادة إذا رأى في ذلك تحقيقا لمصالح بلاده وحماية لأمنها القومي والاستراتيجي وهذه التقديرات هو نفسه من يحددها.
-السلام هو أبعد ما يكون عن الولايات المتحدة وعن رئيسها الحالي، كما هي قناعات الجميع حول العالم، لكن من أراد أن ينضم إلى هذا الركب على علّاته ومساوئه دفع مليار دولار ولا يحق له السؤال إلى أين ستذهب تلك الأموال وكيف ستُستثمر؟!.
