التحول من المقاومة السلمية إلى الكفاح المسلح ليس مجرد تحول تكتيكي، بل هو نقلة وجودية تغير جذرياً في طبيعة القضية وأخلاقياتها، وتعيد تشكيل تحالفاتها ومصيرها النهائي. هذه هي الخطيئة الكبرى التي ارتكبها المجلس الانتقالي الجنوبي، عندما نزع عن الحراك الجنوبي رداء النضال السلمي المدني – الذي كان سلاح الضعفاء الأقوى – ليرتديه درعاً مسلحاً جعله جزءاً من معادلة عنف أعقد، فتخلى بذلك عن أقوى أسلحته الأخلاقية والسياسية.
القوة الناعمة التي أرعبت النظام.. السلمية كسلاح لا يُقهر
لقد أثبت التاريخ، أن المقاومة السلمية المنظمة هي أعتى أعداء الأنظمة الاستبدادية. فكما قال الفيلسوف والمنظر السياسي الأمريكي جين شارب، مؤسس نظرية «السلطة اللاعنفية»: «العنف هو ملعب الطغاة المفضل. النضال السلمي ينقل الصراع إلى ساحة لا يملكون فيها التفوق». وهذا ما تحقق فعلياً في الحراك الجنوبي السلمي في سنواته الأولى. كانت المظاهرات السلمية والإضرابات المدنية سلاحاً مزلزلاً سبب صداعاً مزمناً لنظام علي عبد الله صالح وحلفائه؛ لأنها كشفت عنف النظام أمام العالم، وحولت المتظاهرين إلى ضحايا/شهداء يتراكم رصيدهم المعنوي، بينما حرمت النظام من شرعية «مواجهة التمرد المسلح».
مطّبخ التضليل، كيف تصنع الدولة «إرهاباً» لتصفية حراك سلمي؟
هنا تظهر براعة الأنظمة القمعية في تزييف الواقع وصناعة السرديات. لطالما سعى نظام صالح إلى تلويث نقاء الحراك السلمي بوصمات «المسلحين» و«الإرهابيين»، مستخدماً ماكينة إعلامية ضخمة وأحداثاً مُفتَعَلة أو مخترَقة. حوادث مثل حادثة طارق الفضلي في زنجبار ومقتل بايعوا الحلوة في القبيطة، لم تكن سوى مسرحيات مخابراتية صممت لتقديم صورة مشوهة للحراك. هذه الاستراتيجية ليست جديدة؛ فقد كتب المفكر نعوم تشومسكي عن «تصنيع الإجماع» وكيف تستخدم الأنظمة وسائل الإعلام لخلق واقع بديل يخدم أغراضها. والأكثر سخرية أن النظام الذي اتهم الحراك بالإرهاب كان هو ذاته، كما هو معروف وثائقياً، يتلاعب بشبكات العنف لتحقيق أغراضه، عبر أجهزته الأمنية وعلاقاته المتشعبة مع شخصيات وميليشيات متطرفة. فبيان «جيش عدن أبين الإسلامي» المزعوم عام 2009 كان جزءاً من هذه اللعبة القذرة لخلط الأوراق وسحب الشرعية.
التحالف القاتل.. حين تصبح القضية عملة في سوق الإقليم
قبول المجلس الانتقالي الجنوبي بالتمثيل والمشاركة في «تحالف العدوان» بقيادة السعودية والإمارات لم يكن انضماماً إلى حليف، بل كان استلاباً للقضية من أهلها. لقد انتقلت القضية الجنوبية – بضربة تحالف واحدة – من كونها قضية تحرر وطني إرادي يقررها شعب الجنوب، إلى ورقة ضغط إقليمية تُتداول في سوق المساومات بين الدول. كما قال المؤرخ والمنظر العسكري كارل فون كلاوزفيتز: «الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى». وهكذا، تحول الجنوب إلى ساحة لـ«حرب بالوكالة»، وغُيّب صوته لصالح حسابات الجيوسياسية. لقد قضى هذا التحالف على إرث النضال السلمي العظيم، وحوّل القضية من مطلب شعبي إلى أداة في صراع النفوذ الإقليمي، تُستخدم في إدارة الخلافات بين الرياض وأبوظبي أو لتحقيق مكاسب تفاوضية على طاولة الحروب اليمنية الأوسع.
الجذور الأعمق.. نظام الفساد الذي أنجب كل الأزمات
لا يمكن فهم مأساة الجنوب بمعزل عن المرض اليمني الأصلي الذي بدأ باغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، ثم اغتيال أحمد الغشمي، ليفسح المجال لصعود علي عبد الله صالح في تحالف مشبوه مع تحالف «المشائخ» بزعامة عبدالله الأحمر، تحت الرعاية السعودية. هذا النظام، كما يصفه المفكر الأمريكي المهتم بالشأن اليمني بوب بروز في سياق آخر، كان «دولة كليبتوجراسي»، أي دولة يحكمها «لصوص وباللصوص ومن أجلهم»، حيث تمت محاصصة البلاد وثرواتها وتأسيس سلطة قائمة على الفساد الممنهج والإقصاء والعنف الدائم. هذا النظام لم يخلق القضية الجنوبية فحسب بعد حرب 1994م، بل زرع بذور الصراع في كل اليمن، من صعدة إلى الحديدة، محوّلاً التنوع إلى نقمة والوطن إلى ساحة حرب مفتوحة. لقد أدار السلطة بـ«الغلبة» و«الأكراه»، وقدم «التعددية الحزبية» و«صندوق الانتخابات» كمسرحيات هزيلة لتلميع وجهه.
سيناريو «ماذا لو ؟».. اللحظة الضائعة وثمن الخيارات
هنا يأتي سؤال التاريخ المرير، ماذا لو اتبع المناضل وصانع الوحدة الراحل علي سالم البيض نصيحة جار الله عمر بالخروج سلمياً إلى المعارضة بعد انتخابات 1993م؟ هذا السيناريو البديل، رغم إغرائه، يتجاهل طبيعة النظام الاستحواذي. كان نظام صالح – الأحمر قائماً على الاحتكار الكلي للسلطة والثروة، كما يوضح عالم الاجتماع تشارلز تيلي في تحليله لآليات «السلطة القسرية». حتى لو خرج البيض، لاستمر النظام في سلوكه الإقصائي، ولولد صراعات جديدة، ولاصطدم بالنهاية مع الشعب. لكن الفارق الجوهري يتمثل في أن ظهور الحراك الجنوبي سيبقى قضية شعبية سلمية بزعيم شرعي معارض، بدلاً من أن تتحول إلى فصيل مسلح في حرب بالوكالة. لربما كان الشعب اليمني كله من أقصاه إلى أدناه ليجد في علي سالم البيض، رمز الوحدة السابق، رمز الإنقاذ من النظام نفسه، لا منشقاً في زاوية الحرب الأهلية.
ختاماً، تكمن المأساة في أن التحول إلى السلاح لم يُضعف القضية فحسب، بل سلخ عنها هويتها الأصيلة وجعلها رهينة لمن لا يهمهم مصير شعب الجنوب بقدر ما تهمهم مصالحهم. الخطيئة لم تكن في المطالبة بالحق، بل في التخلي عن الوسيلة النبيلة التي جعلت المطالبة بهذا الحق مقنعة للعالم. إنها درس للحركات التحررية في كل مكان، حين تتبادل سلاحك الأخلاقي (السلمية) بسلاح مادي (العنف)، فإنك قد تربح معركة، لكنك تخاطر بخسارة الحرب كلها، وتحويل قضيتك من حق مقدس إلى ورقة في لعبة الآخرين القذرة.
