الصراع الدولي في اليمن والمنطقة

يكتبها اليوم / عبدالرحمن مراد

 

بدأت حركة الاضطرابات الأمنية في عدن، بحادث تفجير سيارة في موكب أحد قادة العمالقة، وقريبا تنتقل الحوادث إلى حضرموت، وسبق لنا في مقال سابق القول بذلك، فالصراع اليوم بين السعودية والإمارات خرج للعلن، فالصراع لم يعد مستترا، فالمعركة التي كانت تدار في الخفاء أصبحت ظاهرة، ويبدو لي أن المناورة المشتركة بين السعودية وباكستان دفعت ابن زايد إلى زيارة الهند لتوقيع اتفاقات أمنية واقتصادية، وقد سبق لنا القول في مقال سابق خلال سالف الأيام إن اتفاقية الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية مع باكستان في سبتمبر، دفعت محمد بن زايد إلى التنسيق مع باكستان وتوقيع اتفاقات اقتصادية ترتبط بالجيش الباكستاني في ديسمبر2025م، ويبدو أن السباق المحموم بين السعودية والإمارات لن يقف عند حد معين، إذ أن رفض السعودية فكرة التطبيع مع إسرائيل، يجبر إسرائيل على الضغط عليها عبر الإمارات، والدخول في حركة توازن في المنطقة، كما يبدو أن السعودية أضحت مدركة للدور المشبوه الذي يتحرك في نطاقه محمد بن زايد، ولذلك حشدت بعض قواتها إلى الحدود مع الأمارات واستعانت ببعض الوية قوات درع الوطن في اليمن، كما أن إعلام السعودية يتعامل مع إشكالية يحصرها في إمارة أبو ظبي، وقد يؤدي ذلك إلى تفكيك دولة الإمارات، التي تتكون من سبع إمارات أو مشيخات لتصبح أبوظبي نطاقا جغرافيا معزولا ومحاصرا، إذا استمرت إمارة أبو ظبي وشيخها محمد بن زايد في مناهضة السعودية وتنفيذ خطة إسرائيل في فكرة الشرق الجديد .

غالب سكان الإمارات من جنسيات مختلفة ولا يمثل السكان المحليون سوى 12% من الإجمالي الكلي للسكان، ويبدو أن الشركات العابرة للقارات تفرض واقعا جديدا وضغوطا على القرار السياسي الإماراتي، وأغلب الشركات تديرها الصهيونية العالمية، ومعظم نشاط الموساد يتركز في أبو ظبي، ويدير شبكات تجسس ودعارة، حتى أصبح شائعا أن معظم القضايا المخلة بالآداب التي يرتكبها الساسة العرب، تصور في فنادق الإمارات وتدار في الإمارات، وهي قضايا تستهدف بعض الساسة للضغط عليهم، كما أن عصابات غسيل الأموال والمافيا العالمية تتخذ من أبو ظبي مقرا لها، والصراع اليوم هو صراع مصالح سياسية واقتصادية، وهي مصالح تعود لإسرائيل في المقام الأول والشركات الصهيونية العالمية، التي تتواجد على أرض الإمارات، وفق اتفاق سابق وبموجب ذلك الاتفاق أصبحت الإمارات وخصوصا أبو ظبي ودبي وطنا قوميا عالميا لكل الأجناس وليس للإمارات منه إلا الرفاه والسلطة الظاهرة، أما الدولة العميقة فتدار من قبل رموز صهيونية عالمية، لذلك فمعركة السعودية مع الإمارات اليوم هي معركة وجود وكينونة .

استغلت الإمارات حركة الاضطرابات في اليمن وشاركت في التحالف العربي، ومارست أبشع أنواع الانتهاكات للسيادة الوطنية وجرفت مقدرات اليمن الطبيعية والحضارية والتاريخية، وقامت بتنظيم رحلات سياحية إلى سقطرى لأفواج إسرائيلية، وقبل ذلك عملت ما وسعها الجهد على تعطيل ميناء عدن والمنطقة الحرة، حتى لا يترك ذلك أثرا على مركزيتها التجارية في المنطقة، وهي تحارب السعودية اليوم بسبب المشاريع الاقتصادية العملاقة التي تضمنتها خطة ابن سلمان( 20- 30) والتي تتضمن إنشاء مدن عصرية تكفل سرعة الحركة وتتفاعل مع المستوى الحضاري الجديد في العالم، في مقابل ذلك سارعت إلى عقد اتفاق مع مصر تضمن استئجار منطقة رأس الحكمة المطلة على البحر المتوسط، لتبني مشروعات مماثلة لما تقوم به السعودية على شواطئ البحر الأحمر، وتظل اليمن وسواحل اليمن مناطق صراع نفوذ بين السعودية والإمارات ومن ورائهما القوى العالمية، فإسرائيل هي الوجه البشع لبريطانيا وبريطانيا تدير حركة توازن سياسي واقتصادي مع أمريكا وحلفاء أمريكا في المنطقة العربية، لذلك تظل اليمن ساحة توتر إقليمي.

ما حدث بالأمس في عدن، كان متوقعا من قبل أن يحدث وقد كتبت عنه في مقال سابق، ولعل القوى التي تفرض سيطرتها على الجنوب قبل خروج الإمارات وبعد خروجها هي قوى عقائدية متجانسة، لكنها فقدت الكثير من المفاهيم خلال سنوات الصراع، فالقوى العالمية قبل أن تعمد إلى تفعيلها وتنشيطها في إدارة الصراع، كانت قد احتلت اللغة، ومارست دور التعويم للمصطلحات والمفاهيم، حتى غدا القتل للمسلم المسالم الآمن في سربه جهادا وانتصارا للعقيدة، وأصبحت الحقيقة عائمة، فكل جماعة تراها من خلال وجودها في نفسها، فالحقيقة حالة وهمية غير ذات معنى إلا فيما تراه الجماعات أنه حقيقة، ولذلك كان التسليم المطلق لقادة الجماعة استلاب للعقل ولمنطق الأشياء وحقائقها في الواقع .

هذا الصراع الإقليمي والدولي في اليمن سوف يترك اليمن ساحة توتر دائمة بذنب الموقع الاستراتيجي لليمن، ولا مخرج منه إلا بمشروع سياسي حكيم ومتوازن، فالفكرة الدينية تستغل اليوم لدوام التوتر والصراع ولا مصلحة لليمن ولا للأمة ترتجى منه، فهي تحقق هدفين مزدوجين لقوى الشر العالمية هما : نزع اليقين من نفوس الناس وبيان التوحش وتصوير الإسلام على أنه حركة إرهابية تهدد الحضارة الإنسانية المعاصرة بقيم التوحش والغابية، وغياب الدولة، والهدف الثاني : اقتصادي وسياسي ويتمثل في دوام الخضوع للمصالح والهيمنة على مقدرات الشعوب .

لم يعد الصراع اليوم تقليديا، ولم يعد يستخدم ذات المفردات القديمة، فالذي يستغرق نفسه في مفردات الصراع القديم، يذهب إلى الفناء من حيت يظن التحقق والوجود، ويمكن قراءة رموز وإشارات الواقع، فإيران التي حاولت حماية نفسها بمجموعة من التدابير، اشتعل شارعها رغم ذلك وانطفأ في غمضة عين، دون أن يدري المرء كيف اشتعل ؟وكيف انطفأ ؟, والسلفي الذي يفجر ويقلق السكينة في عدن وربما في بقية المحافظات غدا ويستهدف سلفيا مثله في العقيدة, التبس عليه مفهوم الحق والباطل، فتاه في عمه الطغيان، هذا التيه يجعلنا أمام حالة صراع جديدة ولا بد من الوقوف أمامها بقدر من البصيرة والحكمة، والتفاعل مع المعارف الحديثة ومستوياتها الحضارية حتى نحقق وجودا متوازنا على هذا الكوكب .

قد يعجبك ايضا