هدنة على الورق ودماء على الأرض، مائة طفل شهيد في غزة منذ أكتوبر والعالم الجبان والمنافق يتفرج
ليست الهدنة التي توقع على الورق سوى حبر بارد أمام دم ساخن لا يزال يسيل على الأرض.
في غزة حيث لا تقاس الأيام بالتقويم بل بعدد الشهداء تبدو الكلمات الدولية الرنانة عن خفض التصعيد وحماية المدنيين كأنها بيانات علاقات عامة بلا روح تلقى من خلف شاشات زجاجية سميكة لا يصل عبرها صراخ الأطفال ولا رائحة الركام.
فمنذ أكتوبر سقط مئة طفل شهيد رقم لا يحتاج إلى بلاغة ليفضح حجم المأساة ولا إلى شرح إضافي ليكشف خواء الضمير العالمي.
هؤلاء الأطفال لم يكونوا مقاتلين ولم يحملوا سوى حقائب مدرسية أو ألعاب صغيرة وبعضهم لم يكن قد تعلم بعد كيف ينطق اسمه كاملا.
ومع ذلك صاروا أرقاما في نشرات الأخبار أو صورا عابرة في تقارير تبث ثم تنسى. في غزة لا تمنح الطفولة فرصة الاكتمال تقصف البيوت قبل أن تكتمل الأحلام وتغلق المدارس قبل أن تفتح الدفاتر ويختصر المستقبل في جنازة صغيرة تشيع على عجل.
المفارقة المؤلمة ان العالم الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان بلا تردد يقف عاجزا أو متواطئا عندما تنتهك هذه الحقوق على مرأى ومسمع منه.
بيانات الشجب تصاغ بعناية لغوية فائقة لكن بلا اثر عملي والقلق العميق لا يتجاوز حدود التصريحات.
أما الهدنة فغالبا ما تتحول إلى استراحة قصيرة لإعادة ترتيب أدوات القتل لا إلى فرصة حقيقية لحماية الأرواح. هكذا تصبح السياسة لعبة توازنات باردة بينما تدفن تحتها أجساد دافئة.
الخذلان لا يأتي فقط من صمت القوى الكبرى بل أيضا من ازدواجية المعايير التي باتت سمة الخطاب الدولي.
دماء الأطفال ليست متساوية في ميزان المصالح والضحايا لا يعاملون بالعدالة ذاتها اذا اختلفت الجغرافيا أو الحسابات. هذه الحقيقة القاسية هي ما يجعل الغضب الفلسطيني مفهوما واليأس العربي مشروعا والأسئلة الأخلاقية اكثر إلحاحا من أي وقت مضى ما قيمة القانون الدولي اذا كان يطبق انتقائيا وما معنى الإنسانية اذا كانت تجزأ بحسب الهوية.
ورغم كل ذلك تبقى غزة شاهدة على عناد الحياة. من بين الركام يخرج من يكتب ومن يداوي ومن يحلم بعناد لا يقصف. لكن هذا الصمود لا يجب أن يستخدم ذريعة لترك الناس يواجهون مصيرهم وحدهم. فتمجيد القدرة على الاحتمال لا يعفي العالم من مسؤوليته ولا يبرر استمرار النزيف.
أن مائة طفل شهيد ليسوا خبرا عابرا بل اتهاما مفتوحا لضمير عالمي اختار أن يتفرج. والهدنة التي لا تحمي طفلا واحدا ليست سلاما بل ورقة أخرى تضاف إلى أرشيف النفاق الدولي.
ما تحتاجه غزة ليس بيانات جديدة بل موقفا أخلاقيا صادقا يضع حياة الإنسان فوق الحسابات ويدرك أن الصمت في لحظات كهذه ليس حيادا بل مشاركة في الجريمة
