لماذا كان شهيد القرآن خطرًا على منظومة الهيمنة؟

محمد عبدالمؤمن الشامي

 

 

في ذكرى استشهاد شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي، لا نستحضر مجرد رجلٍ فارق الحياة، بل نحتفي بمشروعٍ قرآني كامل، صعب المراس، ومهدد لكل منظومة تحاول إخضاع الأمة. لم يكن الشهيد مجرد صوت ديني أو خطيب يلقي كلمات مؤثرة، بل كان مشروع وعي أمة قائم على قراءة القرآن كمعيار للحقيقة والموقف، كأداة مواجهة للظلم، وكمنهج يرفض الهيمنة، ويكشف العملاء، ويعيد للأمة قرارها وكرامتها.
تكمن خطورة الشهيد على منظومة الهيمنة، الأمريكية والصهيونية وأدواتها، في أنه أعاد للقرآن دوره الطبيعي: مرجعية للوعي والموقف، لا مجرد تلاوة أو طقس. فالقرآن بالنسبة له كان دستور الأمة ومرآة الواقع، يوضح الفرق بين الحق والباطل، ويكشف المستور من المؤامرات، ويضع المواقف في نصابها الصحيح. لم يكن يرضى بأمة مسمّرة أمام الشاشات، أو مجرد جمهور يتلو الكلمات بلا فهم، أو أمة تقف صامتة أمام ظلم داخلي وخطر خارجي. ولذلك، أصبح تهديده وجوديًا، ليس للأشخاص أو الأنظمة فحسب، بل لكل منظومة تسعى لإبقاء الأمة خاضعة، متفرجة، ومطموسة الإرادة.
لقد فهم الشهيد أن الهيمنة لا تُفرض فقط بالقوة العسكرية، بل من خلال تفريغ الإنسان من وعيه، وتحويل الدين إلى أداة خضوع، وتقديم الخوف والتبعية على أنه واقع طبيعي. لذلك ركّز في خطاباته على بناء الإنسان الواعي، الإنسان الذي يقرأ القرآن لفهم الواقع، وليس للتبرك أو الطقوس، الإنسان الذي يقف في وجه العملاء ويكشف زيف مشاريع الهيمنة، ويستعيد كرامته وحقه في القرار والسيادة. هذا الإنسان هو الخطر الحقيقي، وأخطر ما يخشاه الطغاة، لأن الوعي المنهجي يجعل الرصاص والتهديد أدوات عاجزة أمامه.
لم يكن استشهاد السيد حسين بدرالدين الحوثي حدثًا عابرًا، بل محاولة لإسكات مشروع كامل. أرادوا أن يُنهي صوت القرآن الذي يُفهم ويُطبّق في مواجهة الظلم، لكن الدم الذي أريق لم يذهب هدراً، بل أصبح وقودًا لإشعال وعي جديد، وشرارة لمشروع متواصل. لقد تحوّل الشهيد من شخص إلى رمز حيّ، ومن خطاب إلى مسار مقاومة وعمل، ومن تلاوة إلى فعل سياسي وأخلاقي يُشكل التحدي لكل هيمنة.
الشهيد القائد كشف بشكل مباشر أن الاستسلام للهيمنة يبدأ من العقول قبل الأراضي، وأن كل مشروع قوة خارجية أو صهيونية أو محلية قائمة على العملاء لن ينجح إذا تصاعد الوعي القرآني، وإذا التقى بالإيمان المترجم إلى موقف. لقد أدرك أن الأمة التي لا تفهم كتابها لا يمكنها أن تواجه الظلم، وأن الإنسان الذي لا يضع الموقف فوق المصالح الشخصية يصبح أداة في يد الهيمنة، بينما الإنسان الواعي هو رأس الحربة الذي يقلب المعادلات ويعيد للقرآن مكانه في حياة الأمة.
تكمن أيضًا خطورة شهيد القرآن في أنه لم يقف عند النقد فقط، بل حول الفكر القرآني إلى ممارسة ووعي عملي. فالمعارضة للهيمنة لم تكن مجرد شعارات، بل كانت مواقف واضحة في كل أزمة، وفعل مستمر يوضح أن الأمة لا يمكن أن تكون مجرد خاضعة، بل يجب أن تكون صاحبة قرار وموقف. ولذلك أصبح استهدافه مطلبًا للهيمنة، لأنه كشف زيف العملاء، وفضح طرق السيطرة، وأظهر أن الأمة التي تمتلك وعياً قرآنيًا صادقًا، لا يمكن ترويضها ولا ابتلاع إرادتها.
في ذكرى الشهيد، يصبح السؤال الأهم: هل نحن مستعدون للوفاء بهذا المشروع؟ هل نقرأ القرآن كما قرأه الشهيد، لنفهم الموقف ونتخذ القرار؟ أم نكتفي بذكر الاسم والرمز وننسى الفعل؟ الشهيد لم يمت، لأنه زرع مشروعًا ووعيًا ومثالًا لموقف قرآني متجذر، وهو لا يزال حاضرًا في كل خطوة مقاومة، في كل موقف يرفض الاستسلام، وفي كل إرادة تصر على الحق.
ويبقى إرث شهيد القرآن حيًا وفاعلًا في كل موقف يرفض الذل والخضوع، وفي كل يد ترفع راية الحق والكرامة. يقود المسيرة اليوم القائد السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، حامي المشروع القرآني وراعي إرث الشهيد، ليظل الوعي والقرار صفة لكل أحرار الأنصار، واليمنيين بكل أطيافهم، والأجيال القادمة. فالشعب اليمني اليوم، متحدًا على نهج القرآن والموقف الصادق، مستمر في مواجهة مشاريع الهيمنة وأدوات العملاء، ليظل الشهيد حيًا في كل إرادة حرة، وفي كل قلب يقاوم، وفي كل جيل يرفض أن تُسرق كرامته أو تُطمس هويته.
فالشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي لم يمت، بل تحوّل إلى قوة حيّة في كل موقف شجاع، وفي كل إرادة حرة، وفي كل جيل يرفض الهيمنة والعملاء. وكل ذكرى لاستشهاده ليست مناسبة للحزن فقط، بل اختبار لصدق المواقف، وقياس مدى التزام الأمة بالمسيرة التي رسمها القرآن والوعي والموقف. وهكذا يظل شهيد القرآن خطرًا على كل مشروع يهدف إلى السيطرة، ورمزًا خالدًا لكل حرّ يقف في مواجهة الظلم.

قد يعجبك ايضا