الشهيد القائد.. صوت الوعي ومشروع النهضة القرآنية

أحلام الصوفي

 

في زمنٍ عاش فيه العالم الإسلامي حالةً عميقة من الانكسار والتبعية، وساد فيه الصمت أمام الظلم، خرج من أعالي جبل مرّان في محافظة صعدة صوتٌ مختلف، صوتٌ يرفض الخنوع ويؤمن بأن للحق كلمة لا بد أن تُقال. هكذا كان السيد حسين بدر الدين الحوثي؛ لم يكن مجرد قائدٍ ديني أو سياسي، بل مفكر حمل مشروعًا تغييريًا تحرريًا، انطلق من عمق القرآن الكريم، وامتد أثره إلى السياسة والمجتمع والثقافة، واضعًا لبنة وعيٍ جديد في واقعٍ مثقل بالهزائم.
أولًا: المنهج القرآني أساس النهضة
لم يدعُ السيد حسين إلى ثورةٍ تقليدية قائمة على ردّات الفعل، بل إلى ثورة وعي تبدأ من إعادة بناء علاقة الإنسان بالقرآن الكريم. كان يرى أن الانفصال الحقيقي عن القرآن – فهمًا وتطبيقًا – هو السبب الجوهري لما تعانيه الأمة من ضعفٍ وتبعية. ولذلك دعا إلى قراءة واعية ومسؤولة للآيات، قراءة تستنطق النص القرآني لفهم الواقع، وتستمد منه البصيرة في مواجهة التحديات، بعيدًا عن الجمود أو التفسير المنفصل عن قضايا العصر.
ثانيًا: الصرخة… من الهتاف إلى الموقف
لم يكن شعار «الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام» مجرد هتاف عاطفي، بل مثّل عنده موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا واضحًا. الصرخة كانت إعلان رفضٍ للهيمنة والاستكبار، وكسرًا لحاجز الخوف، وتنبيهًا للأمة بخطورة المشروع الصهيوني–الأمريكي، ودعوة صريحة للخروج من حالة الصمت والتطبيع واللامبالاة.
ثالثًا: بناء الإنسان قبل المواجهة
آمن السيد حسين بأن أي مشروع تحرري لا يمكن أن ينجح ما لم يبدأ ببناء الإنسان من الداخل. ركّز على الإنسان الواعي، المرتبط بهويته الإيمانية، المعتز بكرامته، والمدرك لمسؤوليته تجاه أمته. واعتبر أن الهزيمة الحقيقية تبدأ حين يستسلم الإنسان نفسيًا وفكريًا، قبل أن تُفرض عليه بالقوة. لذلك شدد على التعليم القرآني، وتحصين الفكر، وبناء الوعي كقاعدة أساسية لأي مقاومة حقيقية.
رابعًا: قراءة واعية للسياسة الدولية
تميّز فكر الشهيد القائد بقراءة مبكرة وواعية لما يجري على الساحة الدولية. رأى أن الحروب والحصار والتجويع والاحتلال في المنطقة، ليست أحداثًا عشوائية، بل جزء من مشروع دولي منظم يهدف إلى تفتيت الأمة وإبقائها في حالة ضعف دائم. تحدث بوضوح عن الهيمنة الأمريكية، وخطر الكيان الصهيوني، وعن دور بعض الأنظمة العربية في تنفيذ هذه المخططات، سواء بالصمت أو بالتواطؤ المباشر.
خامسًا: الأثر الثقافي والتربوي للمشروع القرآني
لم يقتصر مشروع السيد حسين على الجانب السياسي، بل ترك أثرًا عميقًا في المجال الثقافي والتربوي. أسهم في إحياء ثقافة قرآنية حية، تُعيد للقرآن دوره ككتاب هداية وبناء، لا مجرد نص يُتلى. كما ساعد مشروعه على إعادة الاعتبار للهوية الإيمانية، وتعزيز روح المسؤولية الجماعية، وربط الثقافة بالموقف، والعلم بالعمل.
سادسًا: المشروع القرآني طريق المستقبل
لم يكن مشروع السيد حسين مجرد احتجاجٍ على واقعٍ مأزوم، بل رؤية متكاملة لمستقبل الأمة. مشروع يسعى إلى استنهاض الوعي الشعبي، وتحريك الطاقات الكامنة، وتمكين الأمة من استعادة قرارها المستقل وهويتها الحضارية. وقد جسّد هذا المشروع قولًا وفعلًا، وظل ثابتًا على مواقفه حتى استُشهد، ليصبح دمه شاهدًا على صدق الفكرة ونبل الهدف.
خاتمة
لم يكن الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي حدثًا عابرًا في تاريخ الأمة، بل تحوّل إلى مدرسة فكرية وثقافية وروحية. مدرسة لا تزال حاضرة في وجدان الأحرار، لأنها انطلقت من القرآن، وتحدثت بلغة الناس، وخاطبت ضمير الأمة بصدقٍ وشجاعة. ومن هنا، فإن الحديث عنه ليس استذكارًا للماضي بقدر ما هو استنهاضٌ للمستقبل، وتأكيدٌ على أن الوعي هو أول طريق التحرر، وأن القرآن يظل المصدر الأصدق لكل نهضة حقيقية.

قد يعجبك ايضا