تشبه أزمة الولايات المتحدة الاستراتيجية الراهنة مع حلفائها التاريخيين وحتى مع بعض دولها التابعة، حالة ” ولادة متعسرة ” حيث يواجه فيها الطبيب خيارًا مفجعًا، إنقاذ الأم أو الجنين، دون قدرة على الجمع بينهما. هكذا تجد واشنطن نفسها في مفترق طرق تاريخي، حيث تهدد محاولاتها الحفاظ على هيمنة الدولار والنظام المالي القائم – وهو بمثابة ” جنين ” إمبراطوريتها الناعمة – باستنزاف وتحطيم التحالفات السياسية والاقتصادية ( ” الأم ” ) التي قام عليها هذا النظام ذاته.
وقد تجلت مظاهر هذا ” التمرد الولادي ” بشكل صارخ في العالم النفطي، العمود الفقري لنظام ” البترودولار ” الذي أرساه هنري كيسنجر وريتشارد نيكسون في سبعينيات القرن الماضي. فبينما شهدنا تمردًا ثوريًا صريحًا كما في حالة فنزويلا التي أممت صناعتها النفطية وقطعت علاقاتها مع السياسات الأمريكية، ظهرت أشكال أخرى من التمرد دفع به طموح تحقيق المجد الشخصي، لكنها قد تكون أكثر خطرًا على المدى الطويل. خذ مشروع رؤية المملكة العربية السعودية 2030 نموذجًا، والذي لم يعد مجرد خطة تنويع اقتصادي، بل تحول إلى إعلان استقلال مالي وسياسي. عندما أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في إحدى تصريحاته الطموحة في جعل المملكة ” أوروبا الجديدة “، فهو في الواقع أعلن نهاية العصر الذي كانت فيه المملكة مجرد ” محطة إعادة تدوير ” للدولار، حيث تودع عوائد النفط الهائلة في سندات الخزانة الأمريكية لتعود فورًا لتمويل شراء أسلحة وغذاء من السوق نفسه.
هذا الانزياح الجوهري – من اقتصاد ريعي يعزز الدولار إلى اقتصاد منتج يستثمر الفوائض محليًا وإقليميًا – يخلق صدمة مزدوجة للنظام الأمريكي.
الصدمة الأولى تتمثل في انخفاض الطلب على أصول الخزانة الأمريكية، وهو ما يزيد من أعباء الدين العام الأمريكي المسجل مستويات قياسية تجاوزت 34 تريليون دولار.
أما الصدمة الثانية: كما لوحظ في تقارير صندوق النقد الدولي، تحول المملكة من دائن صافٍ إلى مُقترض لتمويل مشاريعها العملاقة، مما يسحب سيولة عالمية كانت في السابق متجهة حتمًا نحو وول ستريت.
ولم يقتصر ” التمرد ” على السعودية، بل شمل لاعبين آخرين أضروا بقدسية الدولار. فانسحاب قطر من منظمة أوبك في 2018 كان إشارة على رغبة منتجين كبار في تفادي السياسات الجماعية التقليدية التي تهيمن عليها المصالح الأمريكية. كما أن توجه دول مثل روسيا والصين والهند نحو تسوية تجارتها البينية بعملات محلية – الروبل واليوان والروبية – وابتكار أنظمة دفع بديلة عن ” سويفت ” تحت وطأة العقوبات الأمريكية العشوائية ( كما في حالة مصادرة احتياطيات أفغانستان أو تجميد أصول فنزويلا وإيران وروسيا )، يمثل نزعًا منهجيًا لشرنقة الدولار.
في مواجهة هذا المخاض العسير، جاءت سياسة ” أمريكا أولاً ” في عهد دونالد ترامب كمحاولة يائسة للتوليد القسري. فرض ” الرسوم ” ( الأتاوات ) على الحلفاء النفطيين، والتهديد بانسحاب القوات، والمفاوضات الثنائية المباشرة، كلها أدوات تهدف إلى إعادة تلك الدول إلى ” بيت الطاعة ” وتأمين تدفق النفط بالدولار حصريًا. لكن هذه السياسة، كما يحذر اقتصاديون مثل نوريل روبيني، تتعامل مع الأزمة كأعراض وتُهمل المرض الهيكلي المتمثل في فقدان الثقة العالمية في النظام المالي الأمريكي الذي صار سلاحًا عقابيًا أكثر منه أداة تعاون.
وما نشهده اليوم من اضطرابات واحتجاجات في عدد من الدول المناهضة للتبعية سببه الرئيسي نظام العقوبات الأمريكي والحصار ، حيث يتم استخدام هذه الأداة بهدف تثوير شعوبها على أنظمتها، أي أن أمريكا تضع أنظمة هذه الدول أمام خيارين إما رضوخها للنهب الاستعماري أو تجويع شعوبها ودفعها لأن تثور على أنظمتها.
الخلاصة أن الولايات المتحدة تقف أمام معادلة وجودية، إما المضي قدمًا في الدفاع عن هيمنة الدولار بكل الوسائل، حتى لو أدى ذلك إلى تمزق التحالفات الاستراتيجية وتغذية كراهية عالمية تدفع نحو تكتلات معادية (كما يظهر في توسع مجموعة بريكس )، أو قبول تقلص دور الدولار تدريجيًا والتفاوض على نظام نقدي عالمي جديد متعدد الأقطاب، مما قد يحفظ لها نفوذًا سياسيًا وأمنيًا يُعاد تشكيله.
ولذا فإن الولادة المتعسرة لنظام عالمي جديد قد تكون دموية، والسيناريو الوحيد الأكثر خطورة من خسارة ” الجنين ” (هيمنة الدولار) أو ” الأم ” (التحالفات)، هو إصرار واشنطن على إنقاذ الاثنين معًا، مما قد يؤدي إلى وفاتهما سويًا في عملية ولادة كارثية تدفع العالم كله ثمنها.
