من أقصى الجنوب تُكسر المعادلات:اليمن يحوّل البحر إلى ساحة ردع

هاشم عبدالجليل جحاف

 

لم يعد الصراع في المنطقة أسير الجبهات التقليدية ولا رهينة الحسابات القديمة للقوة. ما شهده العالم مؤخرًا كشف انتقالًا حاسمًا في ميزان الردع، عنوانه الأوضح: اليمن خرج من هامش الجغرافيا إلى قلب الفعل الاستراتيجي. لم يكن ذلك ضجيجًا عابرًا ولا خطابًا إنشائيًا، بل ممارسة واعية أعادت تعريف معنى المبادرة في زمن تتبدّل فيه أدوات الصراع وحدوده.

الكيان، الذي راهن طويلًا على المسافات والتحالفات والأساطيل، اصطدم بحقيقة لا لبس فيها: الجغرافيا لم تعد درعًا، والبحار لم تعد فضاءً آمنًا. من سواحل اليمن، تشكّل ضغط استراتيجي مسّ أحد أكثر المفاصل حساسية، حين تحوّل البحر الأحمر إلى ساحة اختبار قاسية لأمن الملاحة وسلاسل الإمداد. الرسالة هنا لم تكن عسكرية فحسب، بل اقتصادية وسياسية وأخلاقية في آن واحد.

إيلات ليست تفصيلًا عابرًا في البنية الاقتصادية، بل بوابة حيوية وممر استراتيجي للتجارة. المساس بها يعني اهتزاز الثقة، وارتفاع كلفة التأمين والنقل، وانكشاف سردية “الأمن المحصّن” التي طالما جرى تسويقها. ما حدث أكد أن الضرب في العمق لا يحتاج جيوشًا جرّارة بقدر ما يحتاج إرادة تعرف مواضع الضغط، وتقرأ خرائط القوة بوعي جديد.

الأبعد من الحدث ذاته هو دلالاته العميقة. اليمن، بإمكاناته المحدودة قياسًا بالقوى الكبرى، قدّم نموذجًا مختلفًا لإدارة الصراع: تحويل الموقع إلى أداة سيادة، وإعادة الاعتبار للحصار البحري كسلاح استراتيجي يوجع دون ضجيج، ويصيب الدولة في عمق اقتصادها قبل عناوينها العسكرية. في زمن الاقتصاد المعولم، يكفي أن تُربك الموانئ لتُربك القرار.

هذه التحولات أعادت تثبيت حقيقة حاول كثيرون القفز عليها: موازين القوة ليست ثابتة، واحتكار الردع وهمٌ قابل للكسر. اليمن لم يبعث برسالة ردع مؤقتة، بل أسّس لمسار واضح المعالم؛ مسارٌ يرى أن العداء للكيان ليس موجة ظرفية ولا ردّ فعل عابر، بل موقف مبدئي مستمر، يتقدّم مع الزمن ولا يتراجع، حتى ينقشع الباطل ويظهر الحق.

في الخلاصة، ما جرى ليس فصلًا عابرًا في كتاب الصراع، بل محطة مفصلية تُكتب بحبر التحوّلات الكبرى. اليمن اليوم يثبت، بالفعل لا بالشعار، أن نصرة الحق خيار لا مساومة فيه، وأن الجغرافيا حين تقترن بالإرادة تصبح قوة عابرة للحدود. ومن هنا، فإن اليد التي امتدت لنصرة الحق لن تنكفئ، لأن معركة الوعي والسيادة لا تعترف بالمسافات، ولا تخضع لمنطق الهيمنة، بل تمضي حتى يَظهر الحق ويعمّ نوره العالم بأسره.

 

قد يعجبك ايضا