منمنمات فكرية.. المثقفو السلطة في مرآة التاريخ.. !

د. سامي عطا

 

استهلال في مرآة المنمنمات الثلاث.

كيف نقرأ لحظة الخطر الوطني؟ هل نقرأها كتاريخ نُسجَلُ بموضوعية، أم كمسرحية نعيش أدوارها، أم كتشخيصٍ لمرضٍ يجب علاجه قبل استفحاله؟ ثلاث ” منمنمات فكرية ” رسمها ثلاثة مفكرين عرب من عصور مختلفة، تلتقي عند سؤال واحد محوري، أين يقف المثقف حين ينهار السقف ؟ هذه المنمنمات ليست لوحات منفصلة، بل هي فصول متصلة في سردية واحدة عن المسؤولية المهدرة والشرعية الضائعة.

المنمنمة الأولى: ابن خلدون – المؤرخ المحايد أم المُبرر الخفي ؟

” الطغاة يجلبون الغزاة “… مقولةٌ تحليلية باردة، تُختزل أحياناً إلى حكمةٍ قدرية. ولكن موقف ابن خلدون – كما يقدمه لنا سعد الله ونوس في مسرحيته ” منمنمات تاريخية “، وكما تكشف قراءة متأنية لمقدمته – يحمل تناقضاً مؤسساً لدور المثقف.

قوة التشخيص الخلدوني وضعف الموقف: لقد قدّم ابن خلدون أقوى أدوات التشخيص التاريخي لعطب الدول وسقوطها، محدداً دور الاستبداد ( ” الطغاة ” ) في تمهيد الطريق للانهيار ( ” الغزاة ” ). ومع ذلك، فإن الحياد الظاهري لعالم الاجتماع يتحول، في لحظة الأزمة ( كما قدمته مسرحية الأديب السوري الراحل سعد اللَّه ونوس ” منمنمات تاريخية ” نشرها في 1993م )()، إلى تواطؤ عملي. إنه يشخص الداء بدقة الطبيب، ثم يرفض وصف الدواء، بل وينتهي به الأمر إلى تقديم الاستشارة للغازي نفسه.

وهنا تكمن ” المعضلة الخلدونية ” للمثقف، الفصل بين المعرفة والعمل. يتحول التحليل البارد إلى ذريعة للانسحاب من ساحة المواجهة. يصبح المثقف سجين نظريته، حيث الهزيمة نتيجة حتمية لقوانين التاريخ، وليس خياراً بشرياً يمكن تغييره. هذا الموقف يخلق نموذج ” المثقف الشاهد ” الذي يوثق الكارثة بدلاً من منعها، وهو النموذج الذي سيستغله لاحقاً كل من يريد تبرير التعاون مع القوى الغازية تحت شعار ” قراءة الواقع “.

خلاصة موقف ابن خلدون، إن تحذيره كان صائباً، ولكن الامتناع عن تحويل التحذير إلى فعل يترك الباب مفتوحاً لتحويل الحكمة إلى تبرير. المثقف الحقيقي لا يكتفي بتسجيل قانون ” الطغاة يجلبون الغزاة “، بل يعمل على تفكيك الآلية التي تنتج الطغاة، لقطع الطريق على الغزاة.

المنمنمة الثانية: سعد الله ونوس – المسرحي كطبيب الجسد الاجتماعي

يتلقف ونوس المشكلة من حيث توقف التحليل المجرد، ليرسمها على خشبة المسرح بألوان بشرية درامية. مسرحية ” منمنمات تاريخية ” هي تشريح حي لفكرة ابن خلدون، وتطبيقٌ مأساوي لها.

تجسيد الثنائيات:

يقدم ونوس ثلاثة نماذج حية للمثقف في زمن المحنة.

أولاً ‏المثقف الحماسي ( برهان الدين التاذلي ): يمثل خطاب المقاومة والإثارة الجماهيرية، ولكنه يتحول إلى طاغية صغير عندما يقمع الصوت النقدي المخالف ( الشيخ جمال الدين ). تحذير ونوس هنا يقول أن الثورة التي تقتل الحوار تصبح نسخة من النظام الذي تحاربه.

ثانياً / المثقف العالم ( ابن خلدون ) هو التجسيد الحي لـ ” المعضلة الخلدونية “. عالمٌ واسع المعرفة، ولكنه يعزل معرفته عن مسؤوليتها المجتمعية، لينتهي به الأمر إلى خدمة الغازي.

ثالثاً ‏/ المثقف الضحية ( جمال الدين ) ويمثل الضمير النقدي الخالص ( ” العقل خير من النقل ” ) الذي تطحنه آلة القمع، سواءً أكانت محلية ( التاذلي ) أو خارجية ( تيمورلنك ).

وتحمل مسرحية ونوس دلالة رمزية، إذ أن حصار دمشق عند ونوس هو مجازٌ عن الحصار العربي المعاصر. الغزو الخارجي ليس حدثاً مفاجئاً، بل هو الثمرة المُرّة لفساد داخلي طويل: تخلي السلطة ( هرب برقوق )، وتفكك النسيج الاجتماعي، وقمع العقل. المسرحية تقول: الغزاة لا يغزون إلا مجتمعاً قد هيأ نفسه، بيده، للغزو.

وخلاصة المنمنمة الثانية ” منمنمة ونوس ” حيث يرى ونوس أن دور المثقف هو دور ” الناصح الأمين ” و ” نكّاء الجراح “. مهمته ليست تسلية الجمهور ولا تبرير الواقع، بل كشف التناقضات الداخلية التي تهدد الكيان المجتمعي بأسره. الفن، في هذه الحالة، يصبح أداة تشخيص ووعي أقوى من الكثير من الخطابات النظرية.

المنمنمة الثالثة: أبوبكر السقاف – الطبيب المشخِّص والداعية إلى المقاومة المزدوجة.

يأتي السقاف ليقدم الوصفة العلاجية الواضحة، مبنيةً على التشخيص الخلدوني والتجسيد الوَنُوسي. مفهوم ” الاستعمار الداخلي ” هو حجر الزاوية في رؤيته، وهو ما يضع المثقف في موقع المحارب الأول.

في مقال الدكتور أبوبكر السقاف الذي نشره على أثر الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م تحت عنوان ” الاستعمار الداخلي يجلب الاستعمار الخارجي العراق أنموذجاً ” ينطلق فيه من التشخيص إلى البرنامج، فإذا كان ابن خلدون يقول ” الطغاة يجلبون الغزاة “، فإن السقاف يصرخ: ” حاربوا الطغاة ( الاستعمار الداخلي ) قبل أن يجلبوا لكم الغزاة ( الاستعمار الخارجي ) “. هو ينتقل من قراءة التاريخ إلى صناعة التاريخ المقاوم.

دور المثقف العضوي

المثقف عند السقاف ليس معلقاً ولا شاهداً، بل هو ” المقاوم بالكلمة والفكر “. واجبه الأول هو فضح وكشف آليات الاستبداد الداخلي (الفساد، القمع، التمييز) لأنها تشكل ” الباب الخلفي ” الذي يدخل منه الغازي. بذلك، تكون مقاومة الاستبداد المحلي هي الخط الأول للدفاع الوطني.

· الرد على التبريريين: رؤية السقاف هي الرد المباشر على من يحولون فكرة ابن خلدون إلى تبرير للتعاون مع المحتل. هو يرفض ثنائية ” إما الطاغية المحلي أو الغازي الأجنبي “، ويطرح الخيار الثالث: ” الشعب الحر ” الذي يقاوم الاثنين معاً، لأنهما وجهان لعملة واحدة من الهيمنة.

خلاصة المنمنمة الثالثة: المثقف هو حارس البوابة الداخلية. مكانته ليست في القصور ولا في الأبراج العاجية، بل في ساحات المجتمع حيث يرفع صوته ضد الظلم مهما كان مصدره. مهمته هي منع ” الاستعمار الداخلي ” من تمهيد الطريق لاستعمار خارجي.

استخلاصات: صورة المثقف “ما يجب أن يكون”

من تشريح هذه المنمنمات الفكرية الثلاث، تتبلور ملامح المثقف المسؤول:

هو مثقف اجسور يجمع بين عمق التحليل الخلدوني وجرأة المواجهة السقافية. لا يكتفي بفهم قوانين التاريخ، بل يعمل على تغيير مسارها.

وهو مثقف مستقل يحافظ على مسافة نقدية من كل سلطة، حاكمة كانت أو معارضة، محلية أو خارجية. استقلاله هو مصداقيته وشرعيته.

وهو مثقف عضوي يرى في مقاومة ” الاستعمار الداخلي ” ( الاستبداد، الفساد، القمع ) جزءاً لا يتجزأ من الدفاع عن الوطن ضد الأخطار الخارجية. كلمته سلاح.

وهو مثقف حواري يتجنب نزعة التسلط التي وقع فيها ” التاذلي “، ويؤمن بأن الحقيقة تولد من جدل الآراء، لا من فرض رأي واحد.

وهو مثقف واصِل يبني جسوراً بين المعرفة المتخصصة والجمهور العريض، ليكون جسراً للوعي وليس حارساً للأسرار.

الخلاصة الكبرى هي أن الهزيمة لا تُقرأ في كتب التاريخ بعد وقوعها فحسب، بل تُرى مقدماتها في صمت المثقفين وتخليهم عن دورهم النقدي اليومي. المثقف الحقيقي هو من يقرأ ” المنمنمات ” الماضية لا ليحزن عليها، بل ليرسم، برفقة شعبه، منمنمة مستقبلية مختلفة، حيث تكون الكلمة حرّة، والسلطة خادمة، والوطن منيعاً.

(*) ” منمنمات ” ( مفردها: منمنمة ) مصطلح فني إسلامي يعود أصله إلى كلمة ” منمنم ” الفارسية، والتي تعني ” اللون الأحمر القرمزي ” أو ” المُذهَّب “، ويرتبط بشكل خاص بفنون التصوير الإسلامي في المخطوطات. وفي السياق الفني، ” المنمنمة ” هي عبارة عن لوحة مصغرة مرسومة بدقة عالية، وكانت تُستخدم لتزيين المخطوطات والكتب الثمينة ( مثل قصص ألف ليلة وليلة، أو الشاهنامة، أو الكتب العلمية ). كما تتميز بدقتها الشديدة وتفاصيلها الدقيقة وألوانها الزاهية وتركيبتها الهندسية المحكمة، وغالبًا ما تُصوِّر مشاهد من الحياة اليومية أو القصص أو البلاط.

() شاهدها كاتب المقال مسرحية عرضت في عام 1997م في عرضها الافتتاحي التي تم تمثيلها في مسرح مفتوح بالقرب من أحد اسوار الجامع الأموي في دمشق ، ومثل دور فيها الممثل السوري جمال سليمان في بداية مسيرته الفنية نحو الشهرة

قد يعجبك ايضا