إنهاء وجود.. أم صراع نفوذ؟

عبدالرحمن مراد

 

 

تطورت الأحداث في المحافظات الجنوبية المحتلة بشكل متسارع بعد أن رفض الانتقالي المدعوم من دويلة الإمارات العودة إلى مسارات السلام، ويبدو أن تلك التطورات قد انعكست على المشهد الإقليمي، وبرز على سطح الحقيقة ما كان مستترا تحتها، ويبدو لي أن الصراع بين المحمدين، محمد بن سلمان ومحمد بن زايد, لن يقف عند حد، فهو متصاعد بشكل متواتر، ذلك أن ابن زايد يريد أن يصبح هو محور الدولة المركزية الإقليمية من خلال مركزية دبي الاقتصادية في المنطقة، وهو يشعر أن مركزية دبي مهددة حاليا بابن سلمان الذي بدأ ينافس دبي من خلال مصفوفة من المشاريع التنموية والحيوية وبناء مدينة “نيوم” وهي مدينة متطورة وتقنية سوف تترك أثرا مدمرا على دبي وعلى مركزيتها الاقتصادية الإقليمية، فضلا عن مشروع قناة سلمان ولذلك تسعى الإمارات على منازعة السعودية النفوذ السياسي على المنطقة العربية، فهي وراء الاضطرابات والقلاقل في السودان، وهي وراء زعزعة أمن الجزائر، وهي وراء كل ما يحدث في ليبيا من انقسامات وصراعات، وتتخذ من فكرة محاربة الإرهاب غطاء لنشاطها المسعور في عموم المنطقة العربية والإسلامية، وقد سارعت الإمارات إلى عقد اتفاقات مع باكستان وهي تسعى لتعزيز نفوذها في مؤسسة الجيش الباكستاني من خلال ربط ذلك بالجانب الاقتصادي، والتعاون مع الشركات التي يشرف عليها الجيش الباكستاني لتعزز بذلك نفوذها السياسي، ومفردات الضغط في المستقبل، بما يعزز من وجودها الفاعل في المعادلة السياسية.
هذا النشاط السياسي للإمارات لم يكن اعتباطا بل جاء بعد توقيع السعودية التي تربطها بباكستان علاقات قوية ومتينة, وهناك نشاط عسكري مشترك في التدريب والصناعة العسكرية بين السعودية وباكستان وربما كانت اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك الموقعة في سبتمبر 2025م، والتي تنص على ): تعزز التعاون الدفاعي وتعتبر أي اعتداء على أي منهما اعتداء على الآخر، وتأتي في سياق إعادة تشكيل الأمن الإقليمي. ) دافعا أساسيا للإمارات في تحقيق توازن النفوذ بينها وبين السعودية، ولذلك سارعت إلى الاشتغال الدبلوماسي الذي تعزز في شهر ديسمبر 2025م، بالاتفاق على التعاون الاقتصادي، وتوسعة دائرته وحرصت الإمارات على توقيع اتفاقات مع الشركات التي يشرف عليها الجيش الباكستاني، ولعل السباق المحموم يبدو واضحا بين توقيع السعودية اتفاق الدفاع المشترك في سبتمبر 2025م، وبين توقيع الإمارات اتفاق التعاون التجاري في ديسمبر 2025م، كما أن تداعيات الأحداث في المحافظات الجنوبية قد أفصحت عن الصراع الخفي بين الإمارات والسعودية وخرج هذا الصراع ليلوح بالخيار العسكري، كما حدث في حضرموت، حين سارعت السعودية بخطوات قوية وغير مسبوقة إذ بدأت بالتلويح بالخيار العسكري, وتلاه بيان تفويض من رشاد العليمي وتضمن البيان إعلان حالة الطوارئ، ومطالبة الإمارات بإنهاء وجودها في اليمن في مدة 24 ساعة .
تعاملت الإمارات مع بيان العليمي بمكر ودهاء، إذ أعلنت أنها تسحب فرق مكافحة الإرهاب في اليمن، وسارعت شكليا مع التعامل الإيجابي مع مطالب العليمي، لكنها لن تنسحب عمليا فهي تنشط من خلال أذرعها التي عملت على صناعتها خلال زمن العدوان على اليمن، وقد حمل بيانها إشارة واضحة على تنشيط الجماعات الإرهابية حتى تثبت للعالم أن وجودها حد من نشاط الجماعات الإرهابية في اليمن، وأنها لم تكن سوى جزء من المنظومة العالمية التي تحارب الإرهاب في اليمن، وإعلان خروجها سوف يوسع من نشاط الجماعات الإرهابية في قابل الأيام لتعود القصة إلى بداياتها الأولى، حين تغلغلت تلك الجماعات في حضرموت وكانت تمارس توحشا غير مسبوق وترمي بالناس من على أسطح البنايات الشاهقة، في مشهد مرعب ماتزال الذاكرة تختزنه فهو ليس ببعيد .
بتحليل الجماعات المسلحة الفاعلة في الجنوب والمدعومة من الإمارات، نجد أن غالب تلك المعسكرات مكون من جماعات عقائدية جهادية وهي موزعة بين القاعدة وداعش وكل أولئك جماعات تعمل وفق أجندات استخبارية، فداعش تعمل لصالح الموساد، والقاعدة تتبع المخابرات الأمريكية، ومع تماهي المصالح المشتركة بين إسرائيل والإمارات، قد تعود تلك الجماعات إلى ممارسة وظائفها في المحافظات الجنوبية، فمحمد بن زايد تحكمه المخابرات والشركات العابرة للقارات والمصالح الإسرائيلية التي يسعى جاهدا في تنفيذها بكل حماس، وما يحدث في الإقليم كله لا يمكننا أن نقول إنه رؤية استراتيجية إماراتية مطلقا، فالقدرات الذهنية محل ظن وشك ذلك أن الطبيعة البدوية أقرب إلى الدعة والسكينة وتبعد كل البعد عن التحليل ورسم الاستراتيجيات ولكنها تحمل الحقد ويحركها الحقد والحسد، وهي تستثمر من هذا البعد من قبل مراكز علمية متخصصة في أجهزة الاستخبارات العالمية فتقوم بالتنفيذ بوعي منها أو بدون وعي وتحدث كل هذا الاضطراب .
في الذاكرة الشعبية اليمنية وعند الكهان من أهل اليمن – ومهنة الكهانة ذات جذر تاريخي في ثقافة أهل اليمن وأخبارها ونوادرها تملأ الصفحات الصفراء من كتب التاريخ والأخبار العربية – مقولة تتنبأ بنهاية حكم آل سعود في زمن المحمدين، وأن الملك سلمان سيكون آخر ملوك آل سعود، وكنا نتداول هذه المقولة بداية عدوان السعودية على اليمن عام 2015م من خلال ما ثبتت من رواياتها على لسان كبار السن في اليمن، وفسرنا ذلك بمحمد بن سلمان ومحمد بن نايف، لكن يبدو أن النهاية ستكون على يد محمد بن سلمان ومحمد بن زايد, إذ أن المؤشرات التي تبعث رموزها اليوم وتقول ذلك وقد يصدق كهان اليمن في النبوءة كما صدقوا في غيرها ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، غير أن ما يحزننا هو أن يستمر تدفق نهر الدم اليمني في قضايا لا نافة لأهل اليمن ولا غيرهم فيها ولا جمل وهي قضايا طموح مجنون بين شابين يقودهما غروهما إلى تدمير مقدرات الأمة وإضعاف شوكتها .

قد يعجبك ايضا