التفكيك الاستعماري القديم يستحضر شبحه في صراع وكلاء الرياض وأبو ظبي بحضرموت!!

 

الثورة / يحيى الربيعي

تحولت محافظة حضرموت، التي تُعد الخزان النفطي والشريان الاقتصادي الأكبر لليمن، إلى فصل دراماتيكي مكشوف من فصول الصراع الجيوسياسي الذي تجاوز مرحلة «التباين الخفي» بين قطبي التحالف العدواني، المملكة السعودية والإمارات، ليتحول إلى مواجهة شرسة على الأرض، تستدعي في عمقها فصولاً دامية من الإرث الاستعماري البريطاني البغيض الذي استمر 129 عاماً؛ إذ أن ما يجري اليوم ليس سوى استنساخ لآلية التفكيك والسيطرة التي أرستها لندن قبل قرن ونصف.
إن الأحداث الجارية في «الوادي والصحراء» هي، في جوهرها، رقصة موت على إيقاع التمدد الأجنبي، حيث تتشابك خيوط الحاضر مع الماضي الاستعماري لتكشف عن استراتيجية استدامة الفوضى التي تهدف إلى تحويل اليمن إلى مجموعة من الكيانات الضعيفة والمفككة، تابعة بالكامل لأجندات خارجية؛ وفي هذا السياق، يمثل المشهد في حضرموت نموذجاً صارخاً لإعادة إنتاج الجريمة الاستعمارية القديمة بثياب المعتدي الجديد.
التراث الدموي للاحتلال وبذور الفتنة الجديدة
لقد مثّل الاحتلال البريطاني لليمن (1839-1967م) نموذجاً للاستعمار القائم على التفتيت والسيطرة غير المباشرة، حيث لم تكن جرائم بريطانيا تقتصر على القمع العسكري المباشر، بل امتدت لتشمل هندسة سياسية واجتماعية مدمرة؛ فبدلاً من الحكم الموحد، اعتمدت بريطانيا على آلية إدارة السلطنات والمحميات التي أنشأتها وغذتها ببراعة.
وتقوم هذه الاستراتيجية على سياسة «فرّق تسد»؛ حيث عملت لندن على ترسيخ كيانات قبلية وسلطنات مصطنعة، وبلغ عددها نحو 23 سلطنة وإمارة ومشيخة في الجنوب، ومنحتها اعترافاً دولياً محدوداً، مع إبقاء خيوط القرار الأمني والمالي بيد المقيم السياسي البريطاني في عدن؛ وقد مثلت هذه السلطنات مجرد وكلاء محليين مهمتهم الأساسية حماية المصالح البريطانية، وخلق حواجز جغرافية واجتماعية بين مناطق الشمال والجنوب، وبين الساحل والداخل.
وفي هذا الإطار، يوضح المؤرخ عبد الرحمن الأهدل أن السياسة البريطانية في الجنوب كانت تهدف إلى «تجفيف منابع الوحدة» عبر دعم السلطنات المحلية بالمال والسلاح مقابل الولاء للمستعمر، مشيراً إلى أن معاهدات الحماية كانت تحظر على هذه السلطنات التواصل المباشر مع أي قوة عربية أخرى.
أما الجانب الآخر من الجريمة، فتمثل في عزل المناطق وحرمانها من التنمية؛ إذ لم يكن الهدف هو بناء دول مستقرة، بل ضمان السيطرة على المواقع الاستراتيجية وحقول النفط المحتملة في حضرموت، كما كانت تشير التقارير آنذاك؛ فجرائم بريطانيا تضمنت إهمالاً متعمداً للتعليم والبنية التحتية، مما أبقى المجتمعات المحلية تحت رحمة الجهل والفقر، وجعلها عرضة للاستقطاب من قبل الحاكم الأجنبي أو وكلائه؛ كذلك اعتمدت الإدارة البريطانية على إذكاء النعرات الجهوية والقبلية، وزرع الخلافات بين السلطنات لضمان عدم توحدها في جبهة واحدة ضد الاحتلال، وهو ما وفّر لبريطانيا دوماً «طرفاً» محلياً يمكنها الاعتماد عليه لضرب الطرف الآخر، كما وثقت شهادات المؤرخين لجرائم القتل والاغتيالات التي نفذتها القوات البريطانية وعملاؤها ضد القوى الوطنية في عدن وحضرموت، وفقاً للوثائق الأرشيفية.
التوظيف المعاصر في استنساخ الوكلاء المحلّيين
إن الصراع الدائر اليوم بين المملكة السعودية والإمارات على جغرافية حضرموت الغنية ليس سوى إحياء مكشوف لآليات التفكيك البريطانية القديمة، ولكن هذه المرة بأدوات ووكلاء جدد يخدمون الأجندة الصهيو-أمريكية في المنطقة، وتتجلى هذه الآليات فيما يلي:
لقد أوجد العدوان السعودي-الإماراتي كيانات عسكرية وسياسية موازية ومصطنعة، تشكل نموذجاً حديثاً لـ «السلطنات العسكرية» التابعة بشكل مطلق للأجندة الخارجية؛ فـ «المجلس الانتقالي الجنوبي»، المدعوم بـ «طموحات إماراتية جامحة للسيطرة على الموانئ والثروات»، يُستخدم كذراع تنفيذي لاختراق النسيج الاجتماعي والسياسي لفرض أمر واقع انفصالي، يحمل دلالات استعمارية واضحة. وفي المقابل، وجدت الرياض في حلف قبائل حضرموت وقوات المنطقة العسكرية الأولى المسنودة بها «القفاز المناسب» لتوجيه لكمات سياسية وعسكرية لأبو ظبي، كما أشارت التحليلات.
هذه الكيانات، على اختلاف مسمياتها، هي محميات معاصرة تدار بقرار خارجي بامتياز، ومهمتها الأساسية التنازع على ثروات اليمن بدلاً من توحيد الصف لمواجهة العدوان. اليوم، يمثل المجلس الانتقالي الجنوبي والكيانات المماثلة «سلطنات معاصرة» تحظر عليها أجندة أبو ظبي تجاوز الإطار المرسوم لها، في تكرار لتكتيكات الاحتلال البريطاني.
السيطرة على الثروات كهدف استعماري متجدد
يكشف التنافس المحموم بين وكلاء الرياض وأبو ظبي على حقول النفط وقطاعاته الحيوية عن أن المحرك الأساسي لهذه الحرب هو العامل الاقتصادي، حيث تحولت حقول المسيلة والقطاعات النفطية إلى «كعكة» تتقاسمها القوى الخارجية؛ ويؤكد المحللون على أن الثروة النفطية هي «لعنة حضرموت» ومغناطيس صراعها، مما يكرر نمط النهب الاستعماري القديم.
كما تشير تقارير نفطية موثقة إلى أن شركة «الامتيازات النفطية البريطانية» (BOC) كانت قد أجرت مسوحات أولية في حضرموت قبل عقود، ورغم اكتشافها علامات مبكرة على وجود النفط، إلا أن لندن أخّرت الاستغلال المباشر لضمان استقرار المنطقة عسكرياً قبل الشروع في النهب الممنهج؛ وهذا التأخير الاستعماري يتكرر اليوم بصورة معكوسة، حيث يتم تسريع عملية السيطرة على حقول المسيلة والقطاعات النفطية عبر الوكلاء قبل أي حل سياسي شامل، مما يؤكد أن الثروة هي الهدف الأوحد، بغض النظر عن مصير المواطن الحضرمي
إدامة الفوضى لتعميق السيطرة
إن التحشيد العسكري غير المسبوق، وتلويح القيادي “أبو علي الحضرمي” باستخدام القوة، والمناورات السياسية كتعيين المحافظين الموالين للرياض، كلها خطوات تهدف إلى نسف ما تبقى من استقرار هش، وتحويل حضرموت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
هذا السيناريو الدرامي يخدم الهدف الأكبر لـ “سلطات الاحتلال والولايات المتحدة”، وهو إضعاف دول المنطقة وجعلها غارقة في صراعات داخلية لا تنتهي، مما يحرف البوصلة عن القضية المركزية للأمة. إن التحليل الوصفي للأحداث يكشف أن الهدف الأساسي للعدوان، الذي يتناغم مع الأجندة الصهيونية العالمية، ليس تحرير اليمن أو بنائه، بل تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث تتم هندسة كيانات قابلة للصراع الدائم. لا يمكن قراءة الصراع في حضرموت بمعزل عن الرؤية الأمريكية-الصهيونية للمنطقة، التي ترى في دولة يمنية ضعيفة ومفككة ضمانة لـ “أمن الملاحة الإسرائيلية” وتفوق الكيان الإسرائيلي الاستراتيجي.
استعمار قديم بكيانات وظيفية جديدة
إن المشهد في حضرموت اليوم، الذي يظهر في صورة “كسر عظم” بين الوكلاء، هو دليل دامغ على أن ألاعيب السياسات الصهيو-أمريكية ووكلائها الإقليميين تستمد قوتها من إحياء المخططات الاستعمارية التي عفا عليها الزمن؛ فبينما يتقاتل الوكلاء على نفط حضرموت الذي بات “وقوداً لحرب لا تنتهي”، يكتوي المواطن بنار الغلاء، ويخسر الجميع وطنهم وسلمهم الأهلي، لتبقى حضرموت رمزاً لإعادة إنتاج الجريمة الاستعمارية القديمة.
إن استمرار هذا الصراع الجاري في “الوادي والصحراء” يضع اليمن أمام تداعيات وجودية خطيرة، تنذر بانهيار الدولة بالكامل، حيث يهدف الدعم السخي للكيانات المحلية المسلحة والسياسية من قبل الرياض وأبو ظبي إلى تدمير أي مرجعية وطنية يمكنها أن تحكم اليمن بشكل مركزي ومستقل؛ ونتيجة لذلك، يتحول اليمن إلى سلسلة من “الكانتونات” المتحاربة التي لا تملك قرارها الاقتصادي أو الأمني، مما يجعلها تحت رحمة الإملاءات الإقليمية والدولية. لقد أثبتت القبيلة الحضرمية أنها رقم صعب، لكن الرهان يبقى على يقظة الوعي الوطني لرفض هذه الكيانات الوظيفية وإسقاط مشروع التجزئة الجديد.

قد يعجبك ايضا