الثورة والاستقلال والوحدة في مذكرات المناضلين “راشد والعرشي”

خليل المعلمي

 

 

إن التوثيق للحركة الوطنية والنضالية ضد المستعمر البريطاني أمر في غاية الأهمية لتحصين الأجيال الحالية والمتعاقبة من الولوج إلى خانات العمالة والارتزاق، وكذا نشر الوعي الثوري والوطني بين الشباب والنشء.
لقد عملا كل من المناضلين راشد محمد ثابت ويحيى حسين العرشي وقد شغلا وزيرا شؤون الوحدة في حكومتي الشطرين قبل العام 1990م، بكل جد واجتهاد ووطنية في الإسراع في توحيد الرؤى والأفكار والتقريب بين وجهات النظر من خلال اللجان المشتركة التي تم تأسيسها قبل الوحدة.
كان الرجلان أصحاب مواقف ويعتبرا قيمة وطنية شامخة كانا لهما الفضل في توثيق الحركة الوطنية وفي تحقيق الوحدة، ولهذا فنحن اليوم بحاجة إلى التذكير بأهمية المواقف والقيم التي نجد اليمن بأمس الحاجة إلى من يبث في عروقها ضوء المستقبل ويدفع بها إلى تحقيق تطلعات أبنائها في غد مشرق.
إن كتاب “ثورة 14 أكتوبر اليمنية من الانطلاقة حتى الاستقلال” للمناضل راشد محمد راشد يأتي توثيقاً للحركة الوطنية والثورية وبالأخص لثورة الـ14 أكتوبر المجيدة وما تبعها من أحداث حتى نيل الاستقلال في الـ30 من نوفمبر 1967م.
وقد سجل الشعب اليمني في تلك الفترة المواقف القوية والنضالية وطالب بالاستقلال دون شرط أو قيد وحمل بندقيته على كتفه، وانطلقت المظاهرات في كل المرافق الحيوية وشارك فيها العمال والطلاب والمواطنين، فقد أدرك الجميع أن الاستعمار الذي جثم على البلاد أكثر من 130 عاماً لم يحقق إلا المزيد من التمزيق والتفرقة واستغلال الثروات ونهبها لصالحه دون النظر إلى حقوق اليمنيين.
ونتيجة للحراك الثوري والسياسي، فقد أفرزت تلك الفترة مناضلين وسياسيين محنكين، ومقاتلين أشداء استطاعوا خلال سنوات قليلة أن يهزوا عرش الامبراطورية التي وصفت بأنها “الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس” فتوحدت صفوفهم على عكس ما كان يخطط له الاستعمار وعملائه، واشتعلت الجبهات في جميع المناطق وبرزت القوى السياسية على الساحة الوطنية مثل الجبهة القومية وجبهة التحرير وعدد من الأحزاب السياسية المنضوية تحت رايتهما، فكان إذعان الاستعمار وتنازله المتسارع واستسلامه لرغبة الحركة الوطنية في منح البلاد الاستقلال ودعا إلى مفاوضات الجلاء في الـ20 من نوفمبر من العام 1967م وتمت المفاوضات في جنيف وبالفعل رحل آخر جندي في الـ30 من نوفمبر 1967م ونال الوطن استقلاله.
في ذكريات المناضل راشد محمد ثابت وهو عضو الجبهة القومية لتحرير جنوب الوطن الكثير من الذكريات سجلها في كتابه هذا، فقد تعرض للاعتقال مرتين من قبل الاستعمار البريطاني، المرة الأخيرة اعتقل في العام 1965 وأفرج عنه في نوفمبر من العام 1967م، شغل العديد من المنصب القيادية والتنفيذية بعد الاستقلال، فكان مديراً عاماً للإذاعة والتلفزيون ومن ثم وزيراً للإعلام بداية العام 1973م ووزيراً للدولة، ووزيراً للثقافة والسياحة، ووزيراً لشؤون الوحدة اليمنية، وعمل سفيراً لليمن في كل من تونس والمغرب.
وقد رصد في هذا الكتاب نضال اليمنيين منذ تفجير ثورة الرابع عشر من أكتوبر في العام 1963م وحتى الاستقلال، أبرز خلال ذلك الدور النضالي للشعب اليمني في مجابهة الاستعمار ومقارعته عبر التنظيمات الفدائية والعسكرية والسياسية وبدعم من ثوار السادس والعشرين من سبتمبر في شمال الوطن.
كان عام الاستقلال هو العام الأهم في تلك المرحلة حيث تصاعدت الأحداث وكانت الجبهة القومية قد سيطرت على الكثير من المناطق وقامت بحل السلطنات في تلك المناطق وتشكيل سلطة تنفيذية تقوم محلها.
وعلى الرغم من المؤامرات التي حاكتها الحكومة البريطانية ومنها إشعال فتيل الصراع بين المناضلين في الجبهة القومية وجبهة التحرير، واتخذت ذريعة بأنها لن تسلم السلطة إلى سلطة تستطيع السيطرة على كل المناطق وأنها مع وحدة الأراضي اليمنية في الجنوب، إلا أن الجبهة القومية قد حددت موقفها الواضح والصريح والقاضي بتحرير كل الأراضي اليمنية في الجنوب بما فيها الجزر اليمنية التي كانت تريد بريطانيا الاحتفاظ بها.
وأثناء التحرك نحو الاستقلال وبعد حصول الجبهة القومية على رد يتضمن الموافقة على إجراء المفاوضات في جنيف وجرت المشاورات بواسطة الاتصال التليفوني حول تحديد تاريخ البدء بالمفاوضات التي تحدد بناء على اقتراح الجبهة القومية في 20 نوفمبر 1967م، وعلى أثر ذلك أصدرت الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل بلاغاً صحفياً جاء فيه أن الجبهة القومية قد طلبت أن تبدأ المفاوضات مع الحكومة البريطانية يوم الاثنين 20 نوفمبر 1967م، وأن الجبهة القومية قد اتخذت كل الترتيبات والخطوات الضرورية وشكلت وفداً خاصاً للمفاوضات برئاسة السيد قحطان محمد الشعبي عضو اللجنة التنفيذية وعضو القيادة العامة للجبهة القومية، وسيرافق الوفد عدد من المستشارين في الشؤون الاقتصادية والمالية والقانونية والعسكرية.
ويؤكد راشد أن الجبهة القومية كانت قبل أن تقوم بتشكيل وفدها المفاوض في محادثات الاستقلال في جنيف قد أعلنت سيطرتها على كل مناطق الجنوب وقامت بتشكيل لجان وإدارات أمنية وإدارية لحفظ الأمن وتعزيز مسؤولية الجبهة القومية في السيطرة الكاملة على سلامة وأمن مناطق الجنوب المحررة بعد جلاء الاستعمار البريطاني عنها.
وشددت السلطات الجديدة ضرورة المحافظة على نظام العمل في الإدارات العامة لدوائر السلطة والمؤسسات والشركات وتأمين سلامة المواطنين وممتلكاتهم الخاصة وكذا الحفاظ على الممتلكات العامة الثابتة والمنقولة في المناطق المحررة.
وشكلت الجبهة القومية وفدها للمفاوضات من أبرز القياديين في الجبهة برئاسة قحطان الشعبي وعضوية كل من عبدالفتاح أسماعيل، فيصل عبداللطيف، محمد البيشي، سيف أحمد الضالعي، خالد عبدالعزيز، عبدالله صالح سبعة، ورافق الوفد المفاوض مجموعة من المختصين في الجوانب الفنية في المباحثات، ومستشارون في الشئون السياسية والاقتصادية والمالية والقانونية والتاريخية وكل ما يتصل بجوانب المفاوضات والقضايا المثارة بين الوفدين اليمني والبريطاني.
حيث غادر الوفد مدينة عدن يوم الأحد 19 نوفمبر 1967م متجهاً إلى بيروت للانضمام إلى أعضاء الوفد المتواجدين في الخارج والذي تحرك بعضهم من القاهرة إلى بيروت بعد أن قابلوا الرئيس جمال عبدالناصر قبل انطلاقهم إلى العاصمة السويسرية جنيف.
وفي صبيحة يوم 26 نوفمبر 1967م أصدرت الجبهة القومية بياناً أعلنت فيه أنه بعد منتصف الليلة الماضية لتاريخ البيان تمت عملية انسحاب القوات البريطانية الاستعمارية من أحياء كريتر، والمعلا والتواهي وبذلك لا يكون لقوات الاحتلال الأجنبية أي وجود في أراضي الجنوب ما عدا بعض قوات في معسكر القوى الجوية التي ستنسحب ليلة الثلاثين من نوفمبر 1967م.
وفي النشرة التي كان يصدرها مكتب إعلام الجبهة القومية في عدن تناولت في افتتاحياتها ليوم 29 نوفمبر 1967م موضوع الجلاء النهائي لقوات الاحتلال البريطاني مبشرة بشروق شمس الحرية والعزة والكرامة، فكان يوم الثلاثين من نوفمبر من العام 1967م هو يوم رحيل آخر جندي بريطاني عن الجزء الجنوبي من وطننا الغالي.
فيما قدم لنا المناضل يحيى حسين العرشي كتاب “الاستقلال.. الوحدة”، استعرض فيه تجربته في الإعداد لهذا الكتاب الذي يعتبره وثيقة هامة، وذلك منذ العام 1986م وما حصل من مآسي في تلك الفترة مما حتم عليه التساؤل لماذا لم تتحقق الوحدة اليمنية فور الاستقلال مباشرة، فقام بإعداد 31 سؤالاً وقام بتوجيهه إلى 64 شخصية يمنية وعربية ودولية ممن كان لهم الدور التاريخي في تلك اللحظة، من زعماء سابقين لشطري اليمن وسياسيين وقيادات الحركة الوطنية في الشمال والجنوب ومثقفين ومفكرين يمنيين وشخصيات دبلوماسية عربية وأجنبية كانت متواجدة في اليمن.
وأثناء إصدار الكتاب والاحتفاء به قال العرشي: ولكن بعد تحقيق الوحدة رأيت بأنه لا أهمية لهذه الأوراق طالما وأن الوحدة قد تحققت، ولكن بعد الأحداث الكثيرة التي شهدتها بلادنا في الأعوام الأخيرة، عاودت العمل في هذه الوثيقة، وجاءت نتائج هذا الاستبيان في هذا الإصدار.
وأضاف: لقد عشت لحظات التغيير ورغبة اليمنيين في إعادة تحقيق الوحدة وبناء دولة المؤسسات، وهكذا كانت الصيحات في مختلف الساحات اليمنية، لكننا لم نعمل على بناء دولة المؤسسات، فوجدنا البلد واقع في إشكالية كبيرة، لأن الوحدة لم تكن الغاية بل كانت وسيلة لبناء دولة المؤسسات، ويجب أن تتعزز جهودنا من أجل هذه الوسيلة والغاية التي بذلت في سبيلها الكثير من التضحيات عبر أجيال من اليمنيين.
ونوه بأهمية أن يتجه الإعلام والثقافة إلى بلورة كثير من التوجهات بما يخدم قضايانا الوطنية الكبرى.. مؤكداً الحاجة إلى تشكل حالة ضغط إيجابي تعزز من قيمة الوحدة كوسيلة باتجاه بناء دولة المؤسسات.

قد يعجبك ايضا