أنشطة اقتصاد الظل

احمد ماجد الجمال*

 

تعتبر أنشطة اقتصاد الظل إحدى الظواهر السلبية القديمة التي تعاني منها اقتصاديات العالم كافة النامي والمتقدم بغض النظر عن النظام الاقتصادي وإن اختلفت من بلد لآخر فهي تختلف لأسباب نشأتها وحجمها ومراحل تطورها وسبل وأدوات احتوائها وكذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية في كل اقتصاد وهو يتزايد بمعدلات عالية قد تفوق أحيانا معدل نمو الاقتصاد الرسمي خاصة في الدول النامية ويرجع نموها لعدة أسباب وعوامل متداخلة كالأنظمة الاقتصادية غير المستقرة والأنظمة الضريبية, وزيادة نسبة رقعة البطالة لاستيعاب عنصر العمل وضعف المالية العامة التي غالبا ما تعاني من تدني الموارد وارتفاع فاتورة النفقات التشغيلية وعدم وجود آلية منظمة من قبل المؤسسات المالية والنقدية وقلة المشاريع الاستثمارية في القطاعين العام والخاص وارتفاع معدلات التضخم التي تؤدي إلى انخفاض قيمة الدخل الحقيقي وارتفاع معدل الإعالة وأسعار العقارات والإيجارات ,ومن ضعف العامل الإداري المتمثل بالبيروقراطية الكبيرة في الأنشطة الإدارية مما يؤدي لتعقيدات في الإجراءات الإدارية للبدء في نشاط اقتصادي معين كاستخراج رخصة وإنشاء سجل تجاري وتعدد وتنوع الرسوم الضريبية والخدمية وصعوبة الحصول على قروض لتمويل المشاريع الصغيرة أو المتوسطة أو الكبيرة ومستوى تعليم منخفض كما أن محدودي الدخل يبحثون عن أعمال إضافية لسد الحاجة وظروف العمل غير اللائقة وهذا لايستقيم في المدى الطويل ,مما يؤدي إلى دخول أعداد كبيرة كحالة لتحمل أعباء المعيشة التي تتميز بها الدول النامية ,والخوض في غمار اقتصاد الظل صعب مستصعب، بسبب عدم توفر المعلومات الكافية عنه وكذلك لصعوبة المقارنة بين من يسعى لتأمين لقمة عيشه وبين من يسعى ليراكم المال.
ولأن اقتصاد الظل يشمل أنشطة اقتصادية مشروعة لا تتعارض مع التشريعات والأعراف والقيم السائدة فأغلب هذه الأعمال تتطلب رؤوس أموال قليلة ولا يوجد أي التزام تجاهها سواء دفع ضرائب أو رسوم وغير ذلك ولا يظهر نشاطه في سجلات الجهات المختصة ولا يمسك دفاتر محاسبية وفي نفس الوقت تستفيد من خدمات البنية التحتية والسوق المحلية الموجودة, إنما تتعرض غالبا لمضايقات وتدفع رسوماً وإتاوات خارج القنوات الرسمية بطريقة غير رسمية وتتمثل بشريحتين هي شريحة الأنشطة الهامشية في قطاع الخدمات كالإيجارات والباعة المتجولين والعربات والبسطات والأكشاك ومواقف سيارات الأجرة والنقل والعجلات النارية وازدواجية العمل.. في حين تتضمن الشريحة الثانية الأعمال المهنية والفنية الفردية الحرة وتتكون من الأنشطة الإنتاجية و الخدمية الصغيرة والمتوسطة مثل المهن الحرفية كالميكانيكي والكهربائي وأصحاب ورش النجارة والعيادات الطبية ,إضافة إلى منتجي ومسوقي السلع والبضائع والخدمات المزورة والمغشوشة وتقليد منتجات بطريقة غير قانونية ومواد البناء غير المطابقة للمواصفات والعقود من الباطن والبناء العشوائي…..الخ، وتمثل الشريحتان جانب الاقتصاد غير الرسمي المشروع من اقتصاد الظل التي تمارس النشاط دون ترخيص و دون أن تسجل ضمن الحسابات القومية للدولة باعتبارها غير مسجلة في الدوائر الرسمية بهدف التهرب من سداد الاستحقاقات المترتبة عليها كالضرائب والرسوم وإخفاء العوائد ومكاسب النشاط بعيدا عن الامتثال للأنظمة والقوانين والتشريعات النافذة أما الشريحة الثالثة فهي الشريحة التي تدخل في أنشطة السرقات والتهريب وغسل الأموال والتجارة في الممنوعات وممارسة الفساد المالي والإداري وتهريب الآثار والمضاربة غير المشروعة بالسلع والعملة والأدوية والمواد الغذائية الفاسدة …..الخ، و تمثل جانب الاقتصاد غير المشروع من الاقتصاد غير الرسمي والمستتر أو الاقتصاد السري أو التحتي أو المغمور وتكون بعيدة عن أعين رقابة الدولة ويسمى أحيانا بالاقتصاد الإجرامي.
على الرغم من سلبية وإشكالية هذه الظاهرة يعتقد البعض أن اقتصاد الظل يقوم بعمل توازن بشكل أو بآخر في معدل الدخول والأسعار والحفاظ على ثبات معدلات التضخم وتقليل نسبة البطالة استنادًا إلى إيجاد فكرة العمل المجرد ومبدأ سد الحاجات الأولية لأفراد المجتمع سواء في المناطق الحضرية أو النائية ،هذا التصور وإن كان في مضمونه يعبر عن ضرورة مجتمعية واجبة في جانب آحادي جانبه الصواب في باقي الجوانب لأن من الواجب وضع حلول عملية لها، فالاقتصاد اصطلاح عام وشامل يعبر عن حاجات المجموع دون تشتيت أو إهدار للمقدرات المادية والبشرية، واستمرارية التوسع في اقتصاد الظل أو الموازي تشكل عائقًا في النمو الاقتصادي العام الرسمي، لأن غياب الأرقام والبيانات الدقيقة عن الأجهزة الرسمية الإحصائية للدولة المنوط بها تقديم البيانات الوافية عن عناصر الوحدات والأنشطة الاقتصادية لا يحقق أهداف التنمية والنمو بشكل متوازن وحقيقي ,أما فيما يتعلق بتقييم نسب ضخ الاستثمارات الموجهة من الدولة أو الصناديق الخاصة أو التسهيلات الممنوحة للقطاع الخاص بدءًا من الخطة العامة للمشاريع التنموية الكبرى وصولًا إلى المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر تعاني من ضعف في دقة المعلومات والبيانات لأن اقتصاد الظل يشوش ويعتبر من المشتتات لتلك الرؤية التي يعتمدها الاقتصاد الرسمي لاتخاذ خطوات اقتصادية كبيرة من شأنها تحقيق النمو الاقتصادي المستدام القائم على منهجية الدراسة المعلوماتية الوافية لمفردات الناتج المحلي الإجمالي أجزاء وتفاصيل بجودة وعمق والتجديد لكل الأنشطة الاقتصادية والتي من شأنها استهداف ظاهرة اقتصاد الظل وتقليصها إلى درجة كبيرة، ومن أهمها الاتجاه نحو الشمول المالي بإدخال ودمج الفئات التي تعبر عن اقتصاد الظل الذي لايتعارض مع التشريعات والأعراف وتكون فاعلة فيه.
إن معالجة أي ظاهرة اقتصادية أو اجتماعية يجب أن تكون منطلقة من أسباب ظهورها، ومنسجمة مع مكوناتها وعدم إلحاق الضرر بالمشاريع متناهية الصغر وبالمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وبالتالي فإن ترتيب وضبط القطاع غير الرسمي للاقتصاد يعني إضافة استثمارات قائمة وموجودة على أرض الواقع بالفعل لإجمالي الناتج المحلي وزيادة التدفقات النقدية وهوما يعني تغير المشهد وتحسناً كبيراً في العديد من المؤشرات الاقتصادية المختلفة ودقة في بيانات الحسابات القومية, كما سيؤدي إلى زيادة الموارد ضرائب رسوم….وغيرها ربما تعادل نسبة مساهمته في الاقتصاد الرسمي أي زيادة موارد الدولة النقدية لحساب الحكومة العام وبشكل مستدام من خلال قنوات وأجهزة رسمية .
وباعتبار اليمن احد الدول النامية فهناك العديد من المؤشرات التي تؤكد على نشؤ ونمو اقتصاد الظل ويساهم بشكل غير مباشر ولا يظهر حجمه في الناتج المحلي الإجمالي وكذلك في نصيبه من سوق العمل
من المؤكد أن الوقت مُواتٍ جداً في ظل الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها بلادنا من الحرب والحصار والتي تحتاج إلى إدارة اقتصادية استثنائية لوضع حزمة من القوانين واللوائح والقرارات والإجراءات المرنة التي تعبر عن اتجاه ورؤية متكاملة للحاضر والمستقبل تجمع ما بين التحفيز والدفع بقطاعات الاقتصاد غير الرسمي للاندماج تحت المظلة الرسمية ومحاربة الاقتصاد الإجرامي لأن في المستقبل يكسب أولئك الذين يتهيأون له بالعمل لا بالأمل .
خلاصة القول، وارتكازًا على الأبعاد أعلاه، تظهر لنا حقيقة ظاهرة للعيان كوضوح الشمس، وهي أن هناك علاقة طردية بين حجم اقتصاد غير الرسمي والقوائم لهذه الأنشطة السلبية فكلما زادت حدود المضايقات والمنع والمطاردة وتعقيد الإجراءات …الخ كلما ازداد هذا الاقتصاد نمواً لذلك من المهم وضع معالجات وحوافز إيجابية للعاملين في هذا القطاع يحصلون عليها حال قرارهم أو إلزامهم بغيير الصيغة النظامية التي يعملون بها كاستصدار تشريع يمنح إعفاءات ولمدة محدودة من الضرائب وتكون الرسوم الخدمية رمزية وإيجارات الأسواق والمواقف والأرضيات والأرصفة والبسطات… بأسعار متوازنة وعادلة ويحث ممارسي نشاط الظل على ترخيص أعمالهم ومنشآتهم وإعادة تنظيمها في موقعها ووضعها الراهن دون محاسبة سابقة من خلال تبسيط الإجراءات والمتطلبات من بداية التسجيل والحصول على رخصة ممارسة النشاط وريثما يتاح لهم تسوية أوضاعهم وعدم التضييق أثناءها وبعدها ومن ثم تقديم محفزات مستقبلية اكبر للقيام بذلك من خلال إعفاءات مقدمه لهذه الغاية وتحسين ورفع مستوى الخدمات العامة التحتية من طرقات ومخططات حضرية وثانوية وكهرباء ومياه واتصالات وتنظيم وتسهيل البناء والسكن الذي يتوفر فيه كل مقومات الأمن والسلامة، والسعي نحو فرض وتوسيع مساحة التعامل لصالح التعامل المالي الإلكتروني والمصرفي بشفافية للابتعاد من العوامل والبؤر المنشطة لانتشار اقتصاد الظل .
*باحث في وزارة المالية

قد يعجبك ايضا