الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

أمريكا تعمل على إبقاء المنطقة في نزاع مستدام على السلطة والثروة

 

 

مبيعات الأسلحة الأمريكية تضاعفت بعد التدخل السعودي في اليمن
صفقات تجارة السلاح أعلى رواجاً في العالم بسبب الحروب والنزاعات المحلية والدولية التي تغذيها أمريكا

جريمة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بمفهومها الواسع لم تعد مقتصرة على الأموال الناتجة عن جريمة المخدرات، وإنما تشمل عائدات الأموال الناتجة عن قائمة طويلة من الجرائم الأصلية.
“جرائم الحرب والتسليح والاعتداء العابر للحدود الوطنية التي ترتكبها أمريكا ودول تحالف العدوان في اليمن” من الجرائم الاصلية التي لم تدرج في القائمة الدولية.

الثورة / يحيى محمد

إن جرائم بيع الأسلحة، والدعم الفني واللوجستي التي تقدمها أمريكا والدول الصناعية الكبرى لدول تحالف العدوان قد اشتملت على نوايا مبطنة غير معلنة للتمويه وذر الرماد على العيون حين أقدمت أمريكا وحلفاؤها الدوليون على استغلال قوة الحضور المسنود بالمال الخليجي المبذول على صعيد التمويلات أو التسهيلات المباشرة وغير المباشرة لأنشطة المنظمات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي والتي أصدرت القرار 2216 بالحرب على اليمن، القرار الذي لم يكن الغرض من إصداره هي تلك المبررات الواهية والمتباكية في ظاهرها على ما اسموها بالشرعية المزعومة، وهي الشرعية التي اختزلت من خلالها امريكا اليمن أرضا وإنسانا في مجموعة من الأشخاص الاعتباريين من وجهة نظرها.. وعلى غير العادة المتعارف عليها سواء في الثقافة الأمريكية أو في ما تصدِّره للغير من وهم المفاهيم الديمقراطية التي تحترم حرية الشعوب وتدافع عن حقها في اختيار من يحكمها.
إن أمريكا نسيت أو بالأصح تناست وهي تشرعن وتدعم الحروب في المنطقة أنها ترمي عرض الحائط بكل ما تدعي أنها تناضل من أجله قرونا من الزمن من إعلاء لمفاهيم الديمقراطية وحرية الشعوب في مقابل ما تحصلت عليه من عوائد النفط الخليجي على هيئة ما تفرضه من إتاوات باهظة على دول الخليج ثمنا لما تسميه مقابل “حماية”، أو ثمنا لما تزودها به من الأسلحة الفتاكة والمحرمة دوليا، أو في التكاليف المهولة التي تأخذها الأجهزة الاستخباراتية ومراكز البحوث العسكرية والسياسية والمنظرون والخبراء في شتى مجالات الدعم الفني واللوجستي نظير ما يقدمونه من بحوث ودراسات استراتيجية تشمل خططا جهنمية في مجال اختلاق وإدارة الأزمات التي تعمل على كافة الأصعدة الثقافية والعقائدية والعشائرية والطائفية…إلخ، على التغذية المستدامة بأحدث الابتكارات في مجال إنعاش ثقافة الكراهية بين المتناقضات والتي وصلت إلى ذروة الغاية منها وهي صناعة وتجارة الحروب في المنطقة.. الحروب التي تغذيها الرغبة الصهيوامريكية في الاستعداء غير المبرر للوجود الحضاري في المنطقة من خلال التواطؤ الأمريكي والدولي مع مشروع دولة اسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، وهو المشروع يتعذر قيامه من وجهة النظر الصهيونية في ظل وجود دولة إسلامية أو عربية.
على هذا الوتر الخبيث والمبرر الواهي تعزف أمريكا.. وعلى مدى عقود تلت وعد بلفور البريطاني_ سعت امريكا من خلال تعهداتها للكيان الصهيوني الغاصب إلى تقسيم المنطقة إلى انتماءات وولاءات بدأتها بالقومية والإسلامية وأخذت في التوغل والاتساع في تفريخ وتعدد أوجه وجذور ثقافة الكراهية فصلت لها العدد الهائل من الأقنعة والذرائع السياسية والعقائدية التي اصطنعتها أمريكا وألبستها جماعات ذات هياكل تنظيمية تعمل بصورة متضافرة، وهي غير مشكلة عشوائيا، ولا يلزم أي منها القيام بدور محدد أو تنفيذ خطط مرسومة، وكل جماعة تهدف إلى الحصول على منافع مالية وأخرى سياسية ذات سلطة ونفوذ لا منازع لها فيهما.
التساؤل الذي يفرض نفسه هنا هو: ألا تعمل أمريكا بذلك، من حيث تعلم ومن حيث لا تعلم، على إبقاء الوضع في المنطقة على حال من النزاع المستدام وغير المتناهي على السلطة والثروة حتى لا يكون هناك مستفيد ولا متحكم في مجريات الصراع في المنطقة غيرها من خلال تغذية التفريخ الممنهج والهادف إلى استنزاف الوجود العربي الإسلامي بكل مقوماته الإنسانية والاقتصادية والسياسية وحتى الأخلاقية في سبيل أن يعلو شأن الرذيلة ومذاهبها في إدارة صراعات التمييز العنصري؟
واستنادا إلى ما سبق من جمع للاستدلالات، ألا يعد ما يجري في المنطقة من أحداث على كافة الأصعدة وبكل تداعياتها عملا إجراميا منظما وجريمة كاملة الأركان تجعل من أمريكا والجماعات المتصارعة في المنطقة شركاء في جريمة واحدة من المفترض أن تسجل الرقم 1 في قائمة جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بل وهي الأولى بالمكافحة من غيرها من الجرائم التي ستصبح في حال إنتهاء وتوقف الصراعات عبارة جرائم ثانوية مصيرها التلاشي والاختفاء بمجرد قيام الحكم الرشيد في المنطقة؟
سوق السلاح
تُعد صفقات تجارة السلاح من أعلى الصفقات رواجا في العالم بسبب الحروب والنزاعات المحلية والدولية وفي مقدمتها نزاعات الشرق الأوسط. ويقدر الخبراء أن صرف جزء صغير من أموالها يكفي لحل مشاكل الفقر والبطالة في العالم.
من الصعب تقدير حجم تجارة سوق السلاح غير أن معطيات صادرات السلاح الأمريكية وغيرها تشير إلى أنها بمئات المليارات سنويا، ففي أول جولة خارجية له اختار ترامب العاصمة السعودية الرياض محطة أولى في مايو 2017م، نتج عنها توقيع صفقة توريد أسلحة للسعودية بقيمة 110 مليارات دولار من أصل 470 مليار دولار على مدى عشر سنوات، كاستثمارات سعودية في قطاعات أمريكية مختلفة توفر أكثر من مليون وظيفة لعاطلين أمريكيين عن العمل.
وقالت شركة “بلاكستون” للاستثمار المباشر وصندوق الاستثمارات العامة في السعودية: إنهما وقعا مذكرة تفاهم لتدشين آلية استثمار في البينة التحتية بقيمة 40 مليار دولار، وبمساهمة أولية من قبل صندوق الاستثمارات السعودي بقيمة 20 مليار دولار، على أن تُجمع المبالغ المتبقية من مستثمرين آخرين، وتتوقع “بلاكستون” أن تستثمر عبر هذا التمويل في مشاريع بنية تحتية بأكثر من 100 مليار دولار، في الولايات المتحدة بشكل رئيسي.
واستمرت مبيعات الأسلحة الأمريكية ضمن السياقات المعتادة لتلبية الحاجات الأساسية للسعودية منذ عقود، لكنها تضاعفت عدة مرات بعد التدخل السعودي في الحرب على اليمن في مارس 2015م.
وأكدت مصادر مطلعة “قبل تولي الملك سلمان بن عبدالعزيز الحكم في السعودية عام 2015م، أن إجمالي احتياطات المملكة من النقد الأجنبي يبلغ نحو 732 مليار دولار، انخفضت إلى 499 مليار دولار نهاية العام 2020م، وفق صندوق النقد العربي السعودي.”
وتراجعت الاحتياطيات السعودية الخارجية، وفق وكالة “رويترز” في 29 أبريل 2020م، بأسرع معدل لها خلال عشرين عاما على الأقل، وإلى أدنى مستوى لها منذ عام 2011م، مع عجز في الميزانية بنحو 9 مليارات دولار في الربع الأول من العام 2020م جراء انهيار سوق النفط.
كما اشارت تقارير غربية إلى انخفاض في صافي الأصول الأجنبية لصندوق النقد العربي السعودي بأكثر من 5 % خلال مارس 2020م بحيث وصل المخزون إلى 464 مليار دولار فقط، وهو أدنى مستوى له منذ عام 2011م.
ويربط محللون غربيون بين اتجاه السعودية إلى تقليص الإنفاق العام، حسب تصريحات وزير المالية السعودي، وتداعيات ذلك على الإنفاق العسكري الذي تستحوذ واشنطن على النسبة الأكبر منه، وبين النظرة الأمريكية الجديدة لطبيعة العلاقات مع السعودية ومستقبل هذه العلاقات، خاصة ما يتعلق بالآمال العريضة التي تبنيها الشركات الأمريكية على الاستثمار في مشروع “نيوم” الذي يميل بعض المراقبين إلى أن السعودية ستعطل بعض مشاريعه، أو تؤجل المزيد منها.
الحماية مقابل المال
عمل ترامب على مبدأ مقايضة “الحماية الأمنية والعسكرية بالمال”، وكثيرا ما كرر في مناسبات عدة أنه “إذا أرادت دول العالم منا الدفاع عنها، فعليهم تحمل بعض التكاليف”، مع مرات عدة تحدث فيها عن السعودية تحديدا بأنها دولة ثرية للغاية ووافقت على المساعدة في تحمل بعض التكاليف.
وفي اتصال أجراه ترامب مع ولي العهد السعودي في 2 أبريل 2020م، كشفت عنه “رويترز” مستندة إلى أربعة مصادر: “إن ترامب قدم طلبا مهينا لولي العهد السعودي، طلب فيه تخفيض إنتاج النفط اليومي أو الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من أراضي المملكة.. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها ترامب مع القيادة السعودية بهذا الشكل “المهين”.. ففي أكتوبر 2018م، وأمام حشد جماهيري ضخم، قال الرئيس الأمريكي: “قلت للملك سلمان نحن نحميك، قد لا تستطيع البقاء في الحكم هناك لمدة أسبوعين بدوننا، عليك أن تدفع مقابل ذلك”.
إلى ذلك قال المدير التنفيذي لـ”ذا روثكوف غروب” ديفيد روثكوف، وفي مقال نشره موقع “ديلي بيست”: إن “السعوديين استخدموا الأسلحة الأمريكية في حرب غير ضرورية، قتلت عشرات الآلاف من الأبرياء، وعرضت حياة الملايين للخطر في اليمن، وحصلوا على التكنولوجيا النووية، في صفقة أشرف عليها أولا مستشار الأمن القومي الأول لترامب، مايكل فلين، الذي استقال بعد فضيحة”.
ويرى الكاتب أن “السعوديين حصلوا على التكنولوجيا لأن ترامب لا يهتم بالانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان التي ترتكبها القيادة السعودية، في وقت يتلهف فيه ترامب ومن حوله للمواجهة مع إيران، التي تحتاج لدفع وتقوية السعودية”.
ويعلق روثكوف قائلا: “هذه هي الطريقة التي يتصرف فيها أصدقاء السوء، فهم يهينونك، وينتهكون الحقوق والمعايير التي يدافعون عنها، ويستخدمون الأسلحة لقتل الأبرياء، بحيث تصبح يداك ملوثة بالدماء، ويقتلون أبناء شعبك، ويسخرون منك في غيابك، وبعدها يستخدمون التملق والشيكات المفتوحة، ويقومون بإفسادك لتعطيهم ما يريدون لمواصلة الضرر، ويعرضون مصالحك القومية للخطر”.
ويؤكد الكاتب أن “السعودية ستكون موضوع تحقيق معمق في مجلس النواب الأمريكي، سيركز على تبييض الأموال وعلاقات ترامب التجارية وفي قضية قتل جمال خاشقجي، وإن كانت الولايات المتحدة صادقت بشكل تكتيكي على حملة تشويه بيزوس، وإدارة ما يمكن وصفه بأكثر علاقة تشهدها حقبة ترامب خاصة”.
هذا يحدث فيما يحظر القرار الأممي”2216″ بيع السلاح من الذخائر والمركبات والمعدات العسكرية والمعدات شبه العسكرية وقطع الغيار والمساعدات التقنية والتدريب والمساعدات المالية وكل ما يتصل بالأنشطة العسكرية أو توفير أي أسلحة لليمن، على أن تتولي الدول لا سيما المجاورة لليمن تفتيش جميع البضائع المتجهة إلى اليمن والقادمة منه إذا توافرت معلومات للاعتقاد أن البضائع تحمل أصنافا يحظر توريدها، يأذن لتلك الدول عند الكشف عن أصناف محظورة التصرف فيها من خلال إتلافها أو تخزينها أو نقلها إلى دول أخرى من أجل التخلص منها.
هذه الازدواجية في المعايير الدولية، ألا تجعل من القرار 2216 تمويهاً وتغطية واضحة لجرائم حرب ترتكبها أمريكا وتحالف الشر الخليجي في اليمن؟.

قد يعجبك ايضا