الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

الاهتمام والعناية بالكتاب على مدار تاريخ الحضارة الإسلامية

 

خليل المعلمي

يقول الشاعر العربي المتنبي:
أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ
وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الزَّمانِ كِتابُ:
وقيل (قيدوا العلم بالكتابة)، لقد احتفظ الكتاب في إطار الحضارة الإسلامية العظيمة بصورته المشرقة التي عكست الوعي الكامل لهذه الحضارة لكون الكتاب أحد أهم أدوات الحضارة الإنسانية ومظهراً من مظاهرها وذلك بوصفه الوعاء القادر على استيعاب الأفكار والقيم والمعارف التي تنهض على أساس أنها منظومة الحضارة الإسلامية في مناحيها المتعددة.
يعد كتاب “الكتاب في العالم الإسلامي” الصادر عن سلسلة “عالم المعرفة” إحدى المحاولات الرصينة للتعامل بحيادية شبه كاملة مع موقف الذات الإسلامية من الكتاب على مدار تاريخها والكتاب يضم مجموعة من البحوث التي صبغت بأقلام علماء أجلاء من الشرق والغرب معاً مما ينفي عنه تهمة التحيز والتحزب للثقافة الإسلامية، والكتاب صادر عن سلسلة “عالم المعرفة” قام بتحريره جورج عطية فيما ترجمه إلى العربية الدكتور عبدالستار الحلوجي.
مرحلة انتقالية
في الفصل الأول الكاتب يوجه محسن مهدي جهده التحليلي صوب مرحلة تحول العالم الإسلامي من عصر المخطوطات إلى عصر المطبوعات، وذلك على الرغم مما يكتنف هذه الفترة بصفة خاصة، وتاريخ الكتب في العالم الإسلامي بصفة عامة من غموض ناتج عن شح المعلومات، ويوضح الكاتب أن فترة الانتقال من عصر المخطوطات إلى عصر الكتب المطبوعة تعد المرحلة الانتقالية الثانية في تاريخ الكتاب في العالم الإسلامي، أما المرحلة الأولى الأكثر أهمية فهي مرحلة التحول الأساسي للكتاب خلال القرنين الأولين من تاريخ الإسلام، حيث توفر النساخ والعلماء في العالم الإسلامي على حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية ونسخهما متسلحين أثناء هذه المهمة المقدسة بدرجة كبيرة من الدقة في النقل، مما جنبهم الكثير من المشكلات التي اكتنفت حفظ معظم الكتب الأخرى -الدينية والدنيوية- خلال الانتقال من عصر المخطوطات إلى عصر الكتب المطبوعة، ولقد أدت هذه المشكلات دورها الكامل في إثارة شكوك المسلمين حول جدوى استخدام الطباعة بوصفها نتاجاً أفرزته حضارة مغايرة الحضارة الغربية معادية في كثير من الأحيان.
ويتساءل الكاتب عن أسباب عدم استعانة المسلمين المعاصرين بالضوابط الصارمة التي كان يتبعها نساخ النص القرآني والحديث النبوي في عهد المخطوطات للتغلب على مشكلات الطباعة، وحدد سببين لتفسير تأخر انتقال المسلمين إلى عصر الطباعة وهما (الخمول الإسلامي وتأخر وصول فن نقد النصوص- الذي نشأ في أوروبا إلى العالم الإسلامي) ولكن مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تغيرت النظرة الإسلامية للطباعة وبدأ المسلمون يتغلبون على مخاوفهم السابقة، حتى إنهم بدأوا ينسون ما المقصود بالنسخ والنساخ وأخذت الكتب المطبوعة تحظى بقدر كبير من الثقة التي كانت تحظى بها النصوص المنسوخة.
يرصد الكاتب بعد ذلك إحدى أهم سمات الانتقال من عصر المخطوطات إلى عصر الطباعة وهي استمرارية هذه العملية، حيث وجد الكتاب جنبا إلى جنب مع الرواية الشفهية التي لعبت فيها الذاكرة دوراً رئيساً، ويختتم الفصل باستشراف المستقبل الذي يبدو أن ثوراته التكنولوجية ستدخل العالم الإسلامي في صراع جديد، حيث لم يكد العالم الإسلامي يجني ثمار الثورة التكنولوجية والثقافية التي أحدثتها الطباعة حتى وجد نفسه مواجهاً بثورة جديدة تقضي تدريجياً على عصر الكتاب المخطوط والمطبوع معاً ونعني به الكتاب الإلكتروني المقروء آلياً الذي يظل مدى النجاح الذي يمكن أن يحققه مرتهناً بالقدرة على التغلب على بعض الصعوبات وأهمها استيعاب الدروس المستفادة من التحول من عصر المخطوطات إلى عصر المطبوعات.
الزيادة الكمية والكيفية
ويخصص “فرانز رونتال” في الفصل الثاني من الكتاب لطرح قضية الزيادة الكمية والكيفية في أعداد الكتب في العصر الحديث وما تبع هذه الزيادة، فعلى مدى التاريخ كان للكتب قيمتها، ولم يكن ثمة احتمال في أن تقل تكلفتها المادية إلا في العصور الوسطى الإسلامية نتيجة لظهور مادة للكتابة أرخص ثمناً وأكثر تحملاً من ناحية، ولازدهار الحركة العلمية من ناحية ثانية، فقد كانت الشكوى في العصور القديمة من فيض المعارف لا من فيض الكتب وقد استمرت هذه الشكوى في العصور الإسلامية الوسطى لأن المعرفة لا يمكن السيطرة عليها، أما الكتب فلم تكن كافية في يوم من الأيام، وبمرور الوقت أصبح الحديث عن كثرة المؤلفات في مجالات محددة.
ويقدم الكاتب تفسيراً ثلاثياً لعدم التبرم من تزايد هذه الأوعية التي تصب فيها المعارف، فالسبب الأول يعود إلى أن المؤلفين لم يستطيعوا مقاومة الرغبة في تأليف المزيد من الكتب وهو أمر طبيعي، والسبب الثاني يتحدد في تجدد الحاجة إلى الكتب في بعض البيئات والأقاليم التي شملها التوسع الإسلامي، فلم يكن من الممكن تجنب اختلال التوازن في التزود بالكتب، أما السبب الثالث فيرتبط بالحضارة الإسلامية واهتمامها العميق بالكتاب وهو اهتمام ناشئ عن الفكرة السائدة عن أهمية الكلمة المنطوقة.
الكلمة المنطوقة والكلمة المكتوبة
في الفصل الثالث الذي يحمل عنوان “الرواية الشفهية والكتاب في التعليم الإسلامي” يناقش الأستاذ سيد حسين نصر دور الرواية الشفهية في الممارسة التعليمية على مدار التاريخ الإسلامي، ويبدأ الكاتب من القرآن الكريم سيد الكتب وأول نص مكتوب في التاريخ الإسلامي، فقد كان لفظ هذا الكتاب العظيم في الصدور واعتماد العرب على ذاكرته في المعرفة الأثر الأكبر على الحياة العقلية الإسلامية عامة وفي نظام التعليم الإسلامي بشكل خاص فقد ساهم حفظ القرآن في انعاش الذاكرة الشعرية والنثرية للشعوب الإسلامية، وضاعف من أهمية الرواية الشفهية في العملية التعليمية، بحيث تحولت الذاكرة إلى وعاء لنقل المعرفة يقف جنباً إلى جنب مع النصوص المكتوبة الممثلة لمختلف المذاهب الفكرية، والحقيقة أن هذه الكتب المكتوبة كانت تصاحبها دروس شفهية يلقيها الأستاذ على طلابه فتستوعبها ذاكرته ومن ثم ذاكرتهم، ومن ثم فقد أدت الرواية الشفهية دوراً كبيراً في تحديد الكتب التي تلقى على الطلاب في مجالس العلم، وفي تحديد من هم الشيوخ الجديرون بالتدريس وكانت في الوقت نفسه معياراً يساعد في تميز تلميذ على آخر، على أساس قربه من الشيخ وفهمه لما يقول.
الكتاب في التراث النحوي
يحاول الأستاذ رمزي بعلبكي في الفصل الذي يحمل عنوان “الكتاب في التراث النحوي” تقصي عملية تطور الكتاب النحوي، هذه المراحل التي يتحكم في تتابعها كتاب “الكتاب” لسيبويه، فيبدأ بالتأكيد على أن كتاب سيبويه اكتسب أهمية خاصة في النحو العربي وقد كان اختيار هذا الاسم من قبيل المصادفة، حيث أسهم الموت المفاجئ لسيبويه في تفكير معاصريه في تسمية كتابه الفذ الذي لم يتمه ولم يسمه في حياته، فلم يجدوا أعظم من كلمة “الكتاب” للتعبير عن عظمة عمل سيبويه، ويمثل هذا المؤلف العظيم البؤرة المركزية في تاريخ المؤلفات النحوية، هذه المؤلفات التي مرت بثلاثة مراحل، هي عصر ما قبل سيبويه، ويقصد به المحاولات الأولى التي سبقت التأليف النحوي وأدت إليه ثم عصر كتاب سيبويه وما يمثله من نظريات ومناهج نحوية وأخيراً مرحلة ما بعد سيبويه، ويقصد به التحرر من أساليب التحليل النحوي التي وضعها سيبويه، وأشهر نحاة هذه المرحلة هو “المبرد”.
ويخلص الكاتب في نهاية الفصل إلى أن سيبويه لا يمكن مقارنته بأي من النحاة المتأخرين، حيث لم تظهر الأصالة في الكتب المتأخرة إلا بعد استقلال علم البلاغة عن النحو نتيجة تطبيق معايير النحاة على الاستخدامات الصحيحة، وعجزهم عن تقديم نظرية للمعنى تتوافق مع نظريتهم عن القياس والعامل وما شابههما.
المرأة والخط العربي
يؤكد الأستاذ صلاح الدين المنجد في بداية فصل “دور المرأة في فن الخط العربي” أن للمرأة إسهاماً بارزاً في المجالات الإنسانية كافة، وقد احتلت المرأة مكانة مميزة في المجتمع العربي بما أبدعته من فنون التأليف وبما أحرزته من تفوق في فن الكتابة والخط، فقد حصلت العديد من النساء أنواع المعارف المختلفة وأصبحن عالمات شهيرات ومنهن من نسخت المصاحف والكتب من كل نوع بما فيها الأدب والشعر والحديث بطريقة بالغة الجمال ثم قابلن تلك النسخ التي كتبنها بأصولها لتصحيح ما قد يقع فيها من خطأ، وكثيراً ما اعتمد عليهن رجال الحكم في كتابة نصوص المعاهدات السياسية بسبب قدرتهن الفائقة في مجال الكتابة.
ويرصد المؤلف بعضاً من الوظائف المرموقة التي تولتها النساء في الدولة مستدلاً بعدد من الأسماء المشهورة، وبمرور الزمن تزايد اهتمام النساء بنسخ الكتب الدينية والعلمية في مخطوطات تميزت بالدقة والجمال.
تتوالى فصول كتاب “الكتاب في العالم الإسلامي” لتؤكد عبر تتابعها العناية الخاصة التي حازها الكتاب على مدار تاريخ الحضارة الإسلامية من قبل القائمين على السلطة والشعوب على حد سواء تلك العناية التي تدفعها لمراجعة الذات للمقارنة بين المكانة المرموقة التي احتلها الكتاب إبان عصر الحضارة الإسلامية ونظيرتها المعاصرة التي شابها الكثير من مظاهر الضعف والتدني.

قد يعجبك ايضا