الثورة نت
يومية - سياسية - جامعه

في الذكرى الثانية لرحيل المناضل الكبير والشيخ الحكيم محمد يحيى الغولي

139

 

كتب/ محمد علي الحوثي- رئيس اللجنة الثورية العليا- عضو المجلس السياسي الاعلى

يصادف العاشر من شهر رمضان، الذكرى الثانية لرحيل المناضل الكبير، والضمير الوطني، والنموذج الجلي للإنسان اليمني، الشيخ محمد يحيى الغولي، وحين نتذكر القامات الوطنية الباسقة، والهامات السامقة، فإن من واجبنا أن نقف إجلالاً وإكباراً واحتراماً لها، وتقديراً وتمثلاً لدورها المنحاز دوماً إلى صف الوطن، والمناهض لكل مشاريع الهيمنة والتبعية والخنوع للآخر، وتحويل الوطن إلى ساحة خاضعة لسيطرته، وحديقة خلفية لتنفيذ ألعابه ومخططاته.
لقد عاش المناضل الكبير محمد يحيى الغولي حياة عريضة، حافلة بالعطاء، ومترعة بالمواقف الوطنية، منذ بدايات وعيه بالقضية الوطنية، وتبنيه للفكر الرافض للهيمنة الخارجية، والعمل على مناهضة مشاريع التدخل السعودي في اليمن، حيث اختار لنفسه أن يسير في هذا الطريق، إيماناً منه بحرية واستقلال اليمن، وحقه في امتلاك قراره، والتعبير عن مواقفه، بدون وصاية أو إملاءات خارجية.
ولد الشيخ المناضل محمد يحيى الغولي، عام 1957 م، في محل بيت علي أحمد، غولة عجيب، مديرية ريدة، محافظة عمران .. هو ثاني أبناء الشيخ يحيى محسن الغولي، والبالغ عددهم ستة من الذكور واثنتين من الإناث.
نشأ وترعرع في مسقط رأسه، ودرس فيها القرآن الكريم والتجويد، وتعلم القراءة والكتابة في معلامة القرية، على يد أعمامه الشيخ الحاج مبخوت بن مبخوت والشيخ الحاج أحمد مبخوت الغولي رحمهم الله جميعاً.. وقد كان لنشأته في هذه البيئة اليمنية التي تمثل القبيلة فيها مجتمعاً شبه مستقل، يعيش فضاءات من الحرية، قلما تتوفر لدى مجتمعات أخرى، فتشرب بمبادئ الحرية والاستقلال، وكانت حياة القبيلة بالنسبة له، كما للكثير من رجالات اليمن، المدرسة الأولى للرجولة، والنبع الأول للبطولة، والمنهل الأول للتزود بالعادات والتقاليد والأعراف اليمنية الأصيلة، والتي تنعكس على شكل قيم عليا منها الشجاعة، والكرم، والنجدة، والشموخ، والعزة، والإباء.. وهي القيم ذاتها التي امتاز بها الفقيد رحمة الله تغشاه.
وانطلاقاً من البيئة المحلية والمجتمع الصغير وما تركه من أثر في تكوين شخصية المناضل محمد يحيى الغولي، فإن ما كانت تعيشه بيئته العامة، ومجتمعه الكبير (اليمن) من أحداث، ما كان لها أن تمر مرورا عابرا لدى الشباب المتشبع بكل قيم الوطنية، والمؤمن بقيم الحرية والاستقلال، فقد تزامنت فترة شبابه وانفتاحه على قضايا الوطن، مع ما كان يعانيه الوطن من التدخل السعودي، والتحكم الفعلي للمملكة بالقرار اليمني، وصل حد اغتيال الرئيس الحمدي، وتصفية أبرز قياداته، وهو ما دفع بالشاب محمد يحيى الغولي إلى الانخراط في صفوف الحركة الوطنية المناهضة للهيمنة السعودية، فانتقل إلى عدن أواخر السبعينات من القرن الماضي، عقب اغتيال الرئيس الأسبق إبراهيم الحمدي، الذي أثبتت الشواهد الكثيرة ضلوع السعودية في التخطيط والتنفيذ لاغتياله.
وعند وصوله عدن، التحق الشيخ الغولي بالحزب الاشتراكي اليمني وكان أحد القياديين في الجبهة الوطنية، التي انطلقت وكانت أبرز المناهضين للمشروع السعودي في اليمن.
ومن عدن تم اختيار الفقيد للالتحاق بدورة عسكرية في بيروت لبنان عام 1979م، في معهد الجبهة الوطنية الديمقراطية لتحرير فلسطين، وأثناءها شارك فعلياً في المواجهة العسكرية مع العدو الصهيوني، مع العديد من رفقاء السلاح من اليمن، والأحرار من مختلف العالم العربي والإسلامي.
وبعد عودته من لبنان قام والده بالوساطة بينه وبين السلطات في صنعاء، وعاد حينها، ليمارس الكثير من المهام الاجتماعية والقبلية، وكان له خلالها دور بارز في التعاونيات المحلية، وتم تعيينه مديرا لأمن مديرية وصاب، في عام 1984، إلا أنه لم يتمكن من الاستمرار، وعاد بعدها لممارسة نشاطه الاجتماعي، في حل القضايا، إلى جانب والده الشيخ يحيى محسن الغولي.
لقد ظل الشيخ محمد يحيى الغولي منتمياً إلى الوطن، ومنحازاً إلى صفه، ورغم المنعطفات التي مرت بها البلاد، والالتباسات في المواقف، إلا أن موقفه في الصف الوطني ظل واضحا جليا، فبعد انتخابه سكرتيرا للحزب الاشتراكي اليمني في محافظة عمران، وتعيينه عضوا للجنة المركزية للمنظمة، جاءت أزمة عام 1994 التي سبقت الحرب، وإعلان الانفصال، فاختار أن يكون في صف الوطن، مؤيداً للوحدة، ورافضاً للحرب.
وفي المراحل التالية لحرب 94، ظل الشيخ الغولي، وفياً لحزبه، حيث عمل الفقيد على لملمة وإعادة شمل الحزب، مع كل من ظلوا داخل الوطن، حتى انتظام عمل الهيئات والمؤسسات فيه، وصولا إلى عقد المؤتمر العام الرابع بفترتيه الأولى عام 1998م والثانية في أغسطس 2000م.
وبحكم مبادئه الحزبية الثابتة، فقد كان للفقيد موقف من اندماج الحزب الاشتراكي اليمني في الشراكة مع حزب التجمع اليمني للإصلاح، ضمن أحزاب اللقاء المشترك، وهو ما دفعه إلى الحد من نشاطه الحزبي في الفترة اللاحقة، والالتفات إلى الج انب القبلي والجماهيري الذي برع فيه وكانت له مواقف بارزة، أهمها رفضه للحروب الست التي قادها النظام آنذاك ضد أبناء صعدة، والذي كان يرى فيه استقواء من الدولة على مواطنيها، ومحاولة لمحو فئة من أبناء المجتمع اليمني، لهم الحق في التعبير عن مبادئهم وأفكارهم، ومواقفهم الرافضة للهيمنة من أي طرف كانت.
لقد مثلت عدالة قضية أبناء صعدة الذين تعرضوا للظلم من قبل السلطات آنذاك، نواة لتشكيل قناعة لديه بمشروع أنصار الله، ذلك المشروع القائم على الثقافة الإيمانية، والحامل لقيم العدالة والحرية والاستقلال، والجهر بكلمة الحق في وجه المستكبرين، وقد تجلت تلك القناعة، من خلال وقوفه إلى صف الحق، أثناء معركة تحرير محافظة عمران من قبضة القوى الإخوانية المتحالفة مع مشايخ العمالة والتبعية للسعودية، الذين كانوا أداة لتنفيذ المخططات السعودية منذ السبعينات.. فكان الفقيد في مقدمة الداعمين لأنصار الله في انتزاع المحافظة من بين مخالب تلك القوى، حتى تحقق النصر وعادت عمران محافظة يمنية حرة مستقلة، وشكلت البوابة التي عبر منها المجاهدون لتحرير صنعاء وغيرها من مناطق البلاد، في سبيل الخلاص من الهيمنة السعودية التي تقف من ورائها قوى الشر وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل.
لقد حافظ الشيخ محمد يحيى الغولي على مواقفه الوطنية الناصعة التي لم يخالطها أي اشتباه، وتوج تلك المواقف الوطنية، بموقفه الرافض للعدوان السعودي على البلاد، حيث أعلنها صراحة منذ اليوم الأول، برفضه واستنكاره لهذا العدوان، وانضمامه إلى الصف الوطني المدافع عن اليمن، وعن حريته واستقلاله، وجند نفسه في التصدي لهذا العدوان الغاشم، فكان جندياً في الجبهات، وسياسياً في ميدان السياسة، وقائداً مجتمعياً أسهم في تفويج الكثير من المقاتلين من أبناء قبيلته والقبائل الأخرى إلى جبهات العزة والكرامة، وحكيماً في الأوساط الشعبية والمجتمعية، وظل ذلك هو دأبه حتى توفاه الله يوم الاثنين 10 رمضان 1438 الموافق 5 يونيو 2017م، وكان من المصادفة أنه اختير قبيل وفاته بساعات كعضو قيادي مؤسس لمجلس حكماء اليمن في لقاء المجلس الذي انعقد في العاشر من رمضان.
سيظل الفقيد والمناضل الكبير، الشيخ محمد يحيى الغولي، رحمه الله، أيقونة من أيقونات النضال الوطني، ورمزاً من رموز التحرر والاستقلال، وستظل مواقفه الوطنية الناصعة، وساماً يكلل هامته، وهامات المناضلين من إخوانه وأبنائه وأفراد قبيلته، كما ستظل حياته الحافلة بتلك المواقف نبراساً في مسيرة حركة النضال والتحرر، باتجاه الخلاص من هيمنة العدو، وعبثية أذرعه في الداخل.

قد يعجبك ايضا