الثورة نت
موقع صحيفة الثورة الرسمية الأولى في اليمن، تصدر عن مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة صنعاء

أسرار ومسرَّات المولد

 

د. مصباح الهمداني

قال أحدهم متفاخرًا: ستنكشفُ شعبية الحوثيين ولن يحضر مناسبة المولد النبوي لهذا العام إلا قلةً قليلة..
فتساءلتُ في نفسي: هل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي الحوثيين أم رسول لكافة الناس أجمعين.. تجاهلت كلام ذاك المهين، وتأملتُ قول رب العالمين:(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وقول الحق المبين:(قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) …
تدحرجت الساعات سريعًا، ولم يصل الليل إلى صنعاء إلاَّ وقد وصلها ليلٌ آخر، ليلٌ من سيولٍ بشرية جارفة، امتلأت بهم ساحة السبعين، وأصبحتْ مآذنُ جامع الشعب غارقةً بين أمواج المحبين.. وكأنها عرائس تُزف في ليلٍ بهيج.. فالأنوارُ متلألئة، والآياتُ تصدحُ حينًا، والزواملُ تملأ المكان حينًا آخر، والناس في ثيابٍ نظيفة، ووجوهٍ باشة، وأنفسٍ مطمئنة، السابقُ يرحبُ باللاحق.. تسري فيهم قِيمُ الاحترام والإيثار ومعاني الإجلال والتقدير، وكأنهم يعرفون بعضهم بعضًا من سنين طويلة، يتبادلون التهاني، ويمسكون بإيدي بعضهم ويتراقصون على ضربات الطبل ببرعةٍ وبراعةٍ يمنية أصيلة وأصلية، لا تمايل فيها كتمايل النساء، ولا ميوعة فيها كميوعة السفهاء، إنما تجد في كل حركة منها رجولةً وأصالة…
أسدلَ الليل ستاره، ولم يطفئ الراعي نوره وأنواره، ونسائم المناسبة تتجلى في روحية الحاضرين، تظللهم روحانية سيد الأولين والآخرين، وتؤنسهم روح الصماد الشهيد الأمين..
نام البعضُ ساعةً أو ساعتين، لكنها لم تنم أعين المنظِّمين، فقد كانوا كخلية نحلٍ لا تتوقف، كل واحدٍ يعرفُ عمله بدقة، وينجز تكليفه ويتقنه…
وما إن صدحتْ مساجد صنعاء بتواشيح وتسابيح ما قبل أذان الفجر؛ حتى بدأت سيول جرارة، تتدفق من جديد.. لكن التنظيم دقيق، والترتيب أنيق، فقد خصصت للسيارات مواقفٌ ثابتة، ومسارات للمشاة مخططة، فلم تكن هناك صعوبة، أو عناء ومشقة،.
وأشرقت الشمسُ لتبدأ مسيرات العفيفات الطاهرات، وهن محتشمات ومستترات، ولهن طرقٌ محددات، وساحاتٌ مخصصات.. ولم يخلُ المشهد المحمدي من براعم الأطفال، فقد كانوا يزاحمون كالرجال، ويملأون أفئدتهم بعبق المناسبة، وقداسة المحبة..
امتلأت الأرض بأحباب الحبيب، وامتلأت السماء بأصوات المحبين، فأينما يممت وجهك على مد البصر، فلا ترى إلا بشراً، وكأنك في أرض المحشر، وقد يدور في رأسك كما دار في رأسي سؤالٌ غير التنظيم والترتيب، وهو: من يطعم هؤلاء؟ وسينكشف السر حين تجد كل واحدٍ منهم يحمل كيسًا فيه ماء وبعض طعام، البعض جاء به معه، والبعض استلمه من آلاف الطائفيين بين الجموع، وقد أخبرني أحدهم بأن عدد المنظمين للحفل تجاوز الثلاثين ألفًا…
كانت صنعاء في يوم الثلاثاء الماضي هي عاصمة الكون، وعاصمة الإسلام المحمدي الأصيل..
ومثل خروجها تمامًا؛ كان خروج صعدة الغراء، والحديدة المنتصرة، وذمار الإباء، وإب الشموخ، وتعز العز، وجوف البطولة…
تحدَّث البلغاء، في كل ساحات الاحتفاء، وتُليت آيات الحمد والمودة والثناء، وانطلقت مواكب الشعراء، لتفرح بسيد البشرية جمعاء، وتوالت الفقرات..
ثم اشرأبت الأعناق، وتوسعت الأحداق، حين سمعتْ المتحدث المتميز، وهو يخاطب الجميع، بأن سيد الجزيرة، ورائد المسيرة، وقائد الثورة؛ سيتحدث بشكل مباشر، وهُنا اشتعلت بقلبي كل المخاطر، ولم أشعر إلا بالعين وقد دمعت، والأضلاع مع القلب وقد وجلت..
أطلَّ حفيد النبي، وسليل الوصي، ليملأ القلوب بالاطمئنان، ويسكب شآبيب الحكمة والعرفان، إطلالة لا يعرف قدرها، ولا يُقدر حجمها، ولا يعي معناها؛ إلا من عرف قول المصطفى(تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وعترتي)..
كان حديث القائد؛ فريداً، وتنبيهاً مفيداً، فقد نبهنا.. إلى اقتراب الساعة، وشدنا إلى وارثي الأرض، وبشرنا بعاقبة الصابرين المؤمنين المجاهدين، ووضع إشارات ودلالات، للسير على خطى النصر، ودلنا على كيفة تحول المولد النبوي؛ إلى مولدٍ للعظماء السائرين على خطى النبي؛ جهادًا وتضحيةً وبطولة…
إنَّ من شاهد اليمنيين وهم يخرجون الثلاثاء الماضي بالملايين؛ سيُصاب بالدهشة والاستغراب؛ لعظمة هذا الشعب، وشموخ هذا الوطن، فالحرب تطحنه لسنوات أربع، والحصار يخنقه برًا وبحرًا وجوا، وأكثر من عشرين دولة تقتله بطائراتها وبارجاتها وجيوشها، ومرتزقة الأرض قد استؤجروا ليكونوا نعالاً في أقدام الغزاة؛ ومع ذلك يخرج من بين كل هذا؛ مُنفقًا، مستبشرًا، واثقًا، منطلقًا.. يجسد كل المعاني السامية التي جسدها محمدٌ في أصحابه…
إنَّ اليمن اليوم يقودُ الأمة الإسلامية جمعاء إلى دين محمد، وشريعة محمد، ونهج محمد، وقيادة محمد..
فيما ترامب يريد دينًا سلمانيًا وهابيًا متطرفًا تكفيريًا دمويًا، شديدًا على المسلمين رحيمًا بالكافرين، دينًا يكتبُ مناهج التدريس فيه خبراء أمريكيون، وأساتذة فرنسيون، وساسة بريطانيون..
يريد الغرب إسلامًا غربيًا ينبع من مكة والمدينة على يد أسرة طالما ربوها وأحسنوا تربيتها..
بينما اليمن يشق طريق العزة والكرامة، ويستحضر محمدًا بكل طهره وسموه وأخلاقه…
ولأننا في آخر الزمن والتي قال عنها صاحب السنن: إذا هاجت الفتن فعليكم باليمن، ومن رحمة الله فقد من علينا بقائد لبيب، وحفيد أريب، ومسيرة حق وهدى، ومن آياتها ما حدثَ ويحدث في طريقها..
وغدًا يتحقق مالا يخطر ببال أحد، على يد هذا القائد الشاب الثلاثيني، وستذكرون!

قد يعجبك ايضا