الإسلام الذي يرضون عنه ويريدونه

طاهر محمد الجنيد

 

الإسلام كدين ومنهج حياة يحطم الوهن والضعف، ويؤسس للقوة والعزة والكرامة، ولذلك يعمل أعداء الإسلام جاهدين على تحطيم عناصر القوة في الإسلام من خلال العمل على إبعاد المسلمين عن مصادر القرآن والسنة الصحيحة، ونشر الخرافات والأباطيل حتى تسهل عملية السيطرة لهم على المسلمين، والاستئثار بخيرات البلدان الإسلامية، وإطالة فترات الانحطاط والإذلال والتبعية لهم، القرآن الكريم رسم حقيقة واضحة يجب أن يعيها المسلمون جميعاً حكاماً ومحكومين، فقد بين أن الصراع سيستمر بين المسلمين واليهود والنصارى، قال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)، فلا مجال للالتقاء بين اليهود والنصارى والمسلمين؛ لأنهم لا يمكن أن يرضوا عن المسلمين ما لم يتبعوا ملتهم، وهنا نجد الشهيد القائد –رضوان الله عليه- حسين بن بدرالدين الحوثي –رحمه الله- يشرح ذلك بقوله: (إذا رضي عنك اليهود والنصارى، فانظر ما الذي أعجبهم منك، لا بد أن يكون الأمر هو اتباع أمر من أوامرهم)، وهم لا يريدون أي خير للمؤمنين، كما شرح الله سبحانه وتعالى ذلك، بقوله: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، إذاً فلا مجال للسعي لإرضائهم ونيل ودهم.
ومن حين لآخر تصدر عن مفكري الغرب وراسمي السياسة الغربية تصريحات وتقارير عن مراكز الدراسات العريقة، تتحدث عن خطورة الإسلام، وكيفية مواجهته، سواء لمفكرين يهود أو نصارى، لكنها في مجملها تضع الإسلام كعدو يجب التخلص منه، والمسلمين كأكبر مهدد للحضارة العالمية، ولذلك يجب إبادتهم والقضاء عليهم بوحشية وبغير رحمة.
وأمامنا اليوم كتاب صدر عن المؤلف اليهودي “جاكوب دون” يعقوب دون وباستقراء ما كتبه وما يجري تطبيقه في الواقع، سنجد تطابقاً لا يخرج قيد أنملة عن تلك الأسس التي تحدث عنها، ولن نستطرد في شرح الأفكار التي أوردها، لكننا سنكتفي بإيراد ملخص لها والتعليق عليها حتى نعي بعض ما يراد من المسلمين كحكام ومحكومين، وأفراد وجماعات.
تدمير عقيدة المسلمين:
أولى الوصايا التي يؤكد عليها الكتاب، هي تدمير العقيدة وهدمها؛ لأن العقيدة هي الحصن الذي يحمي الشعوب من التبعية والانحطاط، وهو هنا يشير إلى (تدمير عقيدة العرب)، فالعرب هم لب الإسلام وحملته وأهله، وإذا تم ذلك فسيسهل تحطيم عقيدة المسلمين، وهناك اختلاف في الترجمة، فبعضها يشير إلى تدمير وهدم (عقيدة الخليجيين)، وأخرى إلى تدمير عقيدة العرب، والسبب لأنهم الأكثر تطبيقاً لتعاليم الإسلام السنية الصحيحة، وإن كان الكاتب يشير إلى أهمية تدمير وهدم الفهم الصحيح والسليم لتعاليم الإسلام، أما غير ذلك من الخرافات والبدع، فإنه على استعداد لدعمها ورعايتها.
وينتقل الكاتب إلى الجزيرة العربية، ويقدم توصيته (فيها الكثير من الأشخاص الذين يقدمون الدين على كل شيء، ويعبدون الله بصدق) فالجزيرة هي الحاضنة لآخر الرسالات السماوية، وأعظمها لذلك، فالخصومة مع هذا الدين الذي يتناقض كلياً مع سياسات الغرب الاستعمارية، ويواجه جبروتهم وطغيانهم وإجرامهم، لذلك يجب إبعادهم عن تقديم الله سبحانه وتعالى على كل شيء، وتحويل اتجاههم إلى الاهتمام بالماديات، لكي تسود الحضارة المادية بشقيها الرأسمالي والاشتراكي، وحتى لا تكون هناك مقاومة لدى تلك الشعوب إذا توجهت القوات للسيطرة عليها.
والملاحظ هنا أن كل تلك السياسات المتبعة في دول الخليج ابتداءً من المملكة العربية السعودية والإمارات هي ذاتها التي وضعها الكاتب اليهودي (يعقوب) –وإن كان التفاوت في التنفيذ هو الذي يميز دولة عن أخرى من دولها الست-، ويتم التطبيق لتك السياسات بإملاءات لا يمكن مواجهتها –وفي خطوات متسارعة- تستهدف تدمير العقيدة الإسلامية الصحيحة من نفوس المسلمين، وإبعادهم عن مصادر هدايتهم، وتدمير الأخلاق والقيم.
تدمير المدرسة الأولى:
الأسرة هي المكون الأساسي في بناء المجتمعات، وكلما كانت قائمة على أسس صحيحة، فإن المجتمع يصبح سليماً ومعافىً، لذلك جاءت توصيات الكتاب موجهة إلى تحطيم المجتمع من خلال (عدم إتاحة المجال لتربية الأبناء على حب الإسلام والتضحية لأجله)، (والعمل على إزالة المحافظة على أركان الإسلام، وحفظ القرآن، والتضحية من أجله)، وأن هذا سوف يتم من خلال توجيه الهجوم على المشائخ والمساجد وخطب الجمعة، والهدف من ذلك (تنفير العامة منها وهجران المساجد، والتنفير من تعاليم القرآن، وتفضيل الثقافة الغربية على الدين الإسلامي)، وبحسب ما كشفه البروفيسور الكويتي د. عبدالله النفيسي أن السعودية تلقت توجيهات أمريكية بإبعاد ثلاثة آلاف إمام وخطيب في المملكة، وتم سجن العلماء الذين عارضوا سياسة الإباحة للمحرمات من قمار وخمر وحفلات ماجنة وغيرها، وأما التحرك الثاني فسيكون بالقضاء على العلاقة الأبوية القائمة على بر الوالدين، حتى تتم السيطرة على الأجيال الجديدة من خلال (إيقاف مفهوم بر الوالدين، وزرع حب الذات والمصلحة الفردية فوق المصلحة الأسرية، فينشأ جيل لا يحترم من سبقه، ويكون مقدمة لتفكك المجتمع).
تدمير نصف المجتمع:
المرأة، هي الأم والأخت والزوجة والعمة والخالة، وهي الأساس في تكوين الأسرة، لذلك رأينا السياسات تسعى جاهدة لتدمير المرأة، فلم تكتف الإمارات ولا البحرين ولا السعودية بتعديل القوانين لإباحة العلاقات المحرمة، والتشجيع على حركات الشواذ والمثلية، بل وصل الأمر إلى فرض عقوبات على كل من تسول له نفسه الحفاظ على أسرته وأهله من الانحراف، بدأت المسألة من إباحة قيادة السيارة، وإلغاء الحاجة إلى محرم، ووصلت إلى إباحة العلاقة الجنسية إذا مارستها الزوجة خارج إطار فراش الزوجية، وهنا نجد الكاتب يؤكد على أنه (يجب تدمير النساء في دولهم، وتشجيع النسوية والانحلال لكل يسهل التحكم بعقولهم)، وأيضاً: (تحفيز الناس على سفر المرأة لوحدها)، وأن أخلاق الغرب وسلوكه صحيح وطبيعي.. أما الغريب فهو أخلاق المسلم التي تختلف عن كل الأديان والأجناس والثقافات، والهدف من ذلك ضمان تبعية الشباب والنساء للحضارة المادية المتحررة من أخلاق الإسلام).
لقد شاهدنا تلك المراسيم والقوانين التي أباحت كل المحرمات من علاقات الزنا والانحلال وإباحة الربا والقمار والسماح بشرب الخمور، ووصل الحال إلى إباحة الإفطار في نهار رمضان.
استغلال المنابر الدينية:
فالعلماء الذين أباحوا كل تلك الرذائل والمحرمات هم الذين سيوكل إليهم تقديم الدين، أما الذين لم يبيعوا دينهم بعرض من أعراض الدنيا، فالسجن مصيرهم، والإعدام لهم جزاء، فقد انتقلت المسألة من التضييق والإبعاد عن ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى الدعوة إلى فعل المنكر وترك الأمر بالمعروف، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: “ستكون بعدي أمراء من دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس يرد عليَّ الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد عليَّ الحوض” صحصحه الألبان في كتاب المجتبى من السنن برقم (160) ص4208.
لقد تحول من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليس إلى السكوت بل إلى الدعوة إلى فعل المنكر والعقاب على الأمر بالمعروف وهو حال مشاهد اليوم في كل الأنظمة العربية والإسلامية باستثناء القليل منها، كاليمن التي خصها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله “الإيمان يمان والحكمة يمانية”.
وهنا نجد توجيهات الكاتب اليهودي يؤكد على (دعم جميع الفتاوى التي فيها اختلاف كبير وتثير الشقاق والفتن) فالمنابر ووسائل الإعلام بأيديهم وما عليهم سوى الاستفادة في إثارة مشاعر البغضاء والعداوة بين المسلمين طوائف وجماعات، ولكننا نجد أن الشهيد القائد حسين بن بدر الدين الحوثي قد نبه إلى خطورة ذلك حينما تحدث (عن تسمية القرآن الكريم للمسلمين – لكن البعض يريد أن يختار تسمية غيرها).
ولا ينسى الكاتب اليهودي التأكيد على أهمية زعزعة عقيدة المسلمين من خلال علماء السوء والمتكسبين بدينهم بعرض من الدنيا قليل، فهم سيتكفلون بالمهمة من خلال الفتاوى التي تحرم الحلال وتحل الحرام تطبيقا لتوجيه اليهودي (يجب أن ندس السم بالعسل لكي يتعود المسلم على أن كل شيء مباح والحرام فيه قولا بيح ومحرم حتى لا يكون لديهم أي تأنيب للضمير) وفعلا شاهدنا من يدعون أنهم علماء يفتون بإباحة الخمر والقمار والدعارة والربا وغيرها من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة ولا يعتد الجهل بها.
تسخير التكنولوجيا
أدى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي إلى ثورة من المعلومات لكن احتكار الغرب للتكنولوجيا ساعدهم في السيطرة عليها وتسخيرها لتحقيق أهدافهم في تحطيم المجتمعات أخلاقيا ودينيا، وهنا نجد أن الكاتب اليهودي يؤكد على أن (التكنولوجيا والإنترنت سلاح العصر ويجب التركيز على دعم السلبيات التي تزعزع شخصية المسلم وسلوكه، والتقليل من الاستخدام الإيجابي منها لكي ندع الجيل الجديد يتيه في المتع والملذات الفارغة على حساب العلم والتقنية ونحتل عقولهم)، وهذه هي أساس الحرب الناعمة التي تركز على هدم المبادئ والقيم والأخلاق، وتعمل على سلخ المجتمعات من نعيم الفضيلة إلى مراتع الاثم والرذيلة، فهي تستهدف المرأة المسلمة والشباب والأطفال وبذلك يتم تحطيم المؤسسة الأسرية التي يقوم عليها المجتمع.
التدرج في التغريب للمسلمين:
من الأسس التي يؤكد عليها الكتاب والكاتب في إنجاح تلك الخطوات – التدرج، واتباع مراحل متعددة للوصول إلى تحقيق تلك الأهداف (إن خطة تغريب المسلم وإبعاده عن دينه وهويته ينبغي أن تتم بالتدرج وعلى مراحل لكي نوجد أمة تافهة وضائعة بلا هوية ولا تراث ولا تاريخ يسهل انقيادها والسيطرة عليها وانهاء الصراع معها لصالح الغرب وحضارته المادية واللا دينية)، فهي خطة موجهة وهي أجندة تتخذها السياسات الغربية في علاقاتها مع بلدان العالم العربي والإسلامي، بدأت بممارسة الإهانة للقرآن الكريم وإحراقه والإساءة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتواصلت من خلال اتهام الإسلام بالإرهاب وتفريخ الجماعات التكفيرية المدعومة والمصنوعة من المخابرات الأمريكية وغيرها من أجل إقناع الرأي العام الغربي والعربي بأهمية مواجهة الإسلام وإنجاح حروب الاستئصال التي تنفذها الدول الغربية، مثل الجرائم التي ارتكبتها أمريكا في أفغانستان والعراق وروسيا في سوريا وأمريكا أيضاً وإسرائيل في أرض فلسطين المحتلة.
وكل تلك الجهود يؤكد الكاتب أنها أمر حتمي مع الجهود المبذولة من أجل التغلب على إرادة العرب والمسلمين وتجهيلهم عن وحدتهم ورسالتهم وهويتهم العربية والإسلامية، فهم يستهدفون التغلب على إرادة العرب والمسلمين وذلك من خلال السيطرة على الزعامات والقيادات التي دعمها وسلمها مقاليد الأمور وهو الآن يستغل جهودها في تحطيم إرادات الشعوب لضمان بقاء الفرقة والشتات وعدم القيام بواجبات الرسالة الإسلامية والهوية العربية الإسلامية.
ورغم أن الكتاب يضع التدرج أساساً فإن الحكومات العربية والإسلامية تسارع في اتباع وتنفيذ تلك التوصيات وهو ما يؤكد مصداقية حديث المصطفى صلى الله عليه وآلة وسلم “لتركبن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع وباعاً بباع حتى لو أن أحدهم دخل في جحر ضب دخلتم وحتى لو أن أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم” صحيح السلسلة الصحيحة 334/1348، وفي رواية أخرى” لتتبعن سنة من كان قبلكم باعاً بباع وذراعاً بذراع وشبراً بشبر حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم فيه” قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى، قال “فمن إذا؟ سنن ابن ماجه، والله سبحانه وتعالى يحذرنا وينهانا عن اتباع اليهود والنصارى قال تعالى “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ” سورة النساء “44”.
إن القرآن الكريم شخص أساساً العلاقات الإنسانية مع الأمم والأقوام الأخرى من اليهود والنصارى وغيرهم، ولذلك فهم يعملون جاهدين على إيجاد التنافر والصدام بين الأمة ومصدر هدايتها وعزها ومجدها، وأبرز مثال على ذلك التحريف المتعمد لنسخة القرآن الكريم المترجمة للغة العبرية الصادرة عن مجمع فهد للطباعة بالمملكة العربية السعودية، إرضاء لليهود، لكن بالمقابل هل رضي اليهود بذلك؟ تصريحاتهم العلنية تؤكد أنهم يريدون الاستيلاء على أرض الحرمين مكة والمدينة المنورة وإقامة دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، وهكذا كلما قدم المطبعون التنازل ورضوا بالهوان، طلب اليهود أكثر ومثل ذلك النصارى والمجوس ولا مخرج للأمة إلا بالعودة إلى مصدر هدايتها وعزها ومجدها وهو أمر يستحيل أن تقوم به من خانت الأمة وباعت كرامتها ومن يدين بالولاء والوجود للغرب والشرق والشمال والجنوب، وما ذلك ببعيد، لأن إرادة الله غالبة، وأمره بين الكاف والنون، “إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون”.

قد يعجبك ايضا