طريق الواحات.. حكايات من وحي الفلسفة

 

من خلال الأفكار والقضايا الفلسفية التي أثارها العديد من الفلاسفة والمفكرين يُعيد الكاتب والأديب نزار بدران هذه الأفكار سردا عن طريق شخوص وأحداث متباينة في الحالة والزمن، قد تكون العودة إلى حدث تاريخي، أو حكاية تاريخية أو شعبية تحتمل أن تصاغ الفكرة الفلسفية من خلالها، أو تصبح حكاية من الزمن الراهن توحي بدورها إلى المقولة التي اختار الكاتب أن تدور حولها، ذلك عبر نصوصه في المجموعة القصصية “طريق الواحات” الصادرة مؤخرا عن دار طباق للنشر والتوزيع في رام الله.
ويوضح بدران بنية هذه القصص في المقدمة قائلا.. «لكل قصة مرجعية فلسفية مرتبطة بها.. في بداية كل قصة وصفت مختصرا للمفهوم الذي بنيت عليه، قد يُعبر عن فكرة صغيرة أو محدودة، ولا تعني كل ما قدمه الفيلسوف في مشاركته في الفكر الإنساني”》.
وسنحاول استعراض بعض من هذه القصص وكيفية تعبيرها عن أفكار ومواقف فلاسفة وعلماء نفس واجتماع كانت أعمالهم تعكس رؤيتهم في أحوال مجتمعاتهم.
مملكة المساعير
يستند الكاتب في هذه القصة إلى مقطع من «مقدمة ابن خلدون حول انهيار الدول ومظاهر هذا الانهيار. وهنا تأتي الحكاية في زمن قديم وقت الممالك والإمارات التي توحدت تحت راية حاكم واحد، وصولا لأجيال حاكمة لم تلتزم بشروط الحاكم العادل. لعب الكاتب هنا على نص تاريخي بشكل ما، ثم صياغته في حكاية قديمة تتحدث عن السلطة وفسادها، والضرورة هناك نقاط تماس كثيرة بين النص الأساس والحكاية المبنية على أساسه، وما تعيشه جميع الدول التي تتحدث بلغة الضاد، لتبدو هنا ضرورة إثارة الأسئلة أو المخيلة حول حتمية المقارنة مع الوقت الحالي، فكل مظاهر الفساد والاستقواء بالآخرين المرتزقة والتآمر على الحاكم الأب وقتله من قبل الابن الحاكم الجديد، وجعل الشعوب أكثر فقرا، تعمل فقط لخدمة فئة من الحكام ومواليهم، أما العسكر المأجورون فلحمايتهم، بحيث يشكلون بدورهم مصدراً قوياً لا يستهان به في استتباب الأمر للحاكم غير الشرعي. «مدينة شاسعة، لا ترى لها حدود محاطة على مساحات طويلة بالقرى الريفية والمدن الصغيرة، حيث يعمل ملايين الناس في شؤون دنياهم مؤمنين كل حاجات العاصمة».
المجرم البريء
في هذه القصة يستند الكاتب إلى عبارة ذكرها سيجموند فرويد في كتابه «قلق في الحضارة» حول (العدوان) أو الميل الإنساني إلى العدوان، وهو ما يسبب حالة مزمنة من التوتر في الحضارة التي يحاول الإنسان دوما العيش من خلالها، ليثبت أنه تجاوز مرحلة البدائية.
وهنا يتخذ الكاتب من المحاكمة شكلاً لمعالجة هذا الرأي، وهو ما استدعى أن يصبح شكلا مسرحيا إلى حد كبير، حيث تبادل الآراء من خلال منولوجات تمثل الشخصيات: المتهم، المحامي المدعي العام القاضي وطبيب نفسي. وتدور الحكاية حول (لص) تم القبض عليه لنشهد محاكمته، ليحكي عن تاريخه بأنه فقد أبويه طفلا، وتداخلت لديه مفاهيم الخير والشر، فلا يوجد وازع يمنعه عن تحقيق رغباته، والتي بالضرورة تتعارض ورغبات الآخرين، فأصبح يحكم على الأشياء وفق منطقه هو. فبينما يدينه المدعى العام، يحاول الطبيب النفسي توضيح الأمر بأن ذلك يعود إلى مسؤولية المجتمع تجاه الأطفال المشردين، وعليه أن يقوم مقام الأب والأم لتحويل هذا العدوان إلى طاقة نافعة ومفيدة.
خلف القناع الذهبي
ونأتي إلى نيتشه ومفهوم «إرادة القوة» وفكرة اختراع المثل العليا في المجتمع. وهنا يناقش الكاتب أفكار نيتشه حول أخلاق السادة وأخلاق (العبيد وفكرة الضغينة الكامنة في نفس الفقراء تجاه الأغنياء،) والأمل في حياة أخرى موعودة توفر لهم – الفقراء – حياة تعوضهم عن المعاناة على الأرض. وما بين تاجر مخدرات ثري ورجل دين – تاجر مخدرات معنوية تعمل الشخصية الرئيسة، بأن يرعى (قط) تاجر المخدرات، ثم بعد ذلك ذلك يعمل كمساعد للراهب في الكنيسة، والتي بها تتم عمليات القتل وتصفية حسابات تجار المخدرات، ولا يملك الراهب سوى الدعاء بالصفح عن الضحايا. نعرف جيدا أفكار نيتشه، وكيف كان الواقع الألماني وقتها، وكيف حلم بإنسان متفوق أخلاقيا، يُظهر قوته وشروره، دون مواربه أو الادعاء بتمثل التعالي الأخلاقي المزعوم من ناحية أخرى يمكن أن يُفسر ذلك فكرة السلطة أو كيفية التعامل معها بعد الوصول إليها من شخصيات طالما كانت في موقف الضعف فكانت تتمثل المثل العليا رغما عنها، لكن عندما تصبح في موقف قوة فإن الرؤية والتصرفات تتغير، وتصبح أكثر قسوة تجاه الآخرين الذين لا يزالون في الفئة الأدنى، المتعلقة بفرصة أخرى تعويضية في الحياة الآخرة.
من وحي الفلسفة
هناك العديد من الأعمال تمثلت الحكايات في شرح وتبسيط الأفكار الفلسفية، بعيداً عن الطريقة الجافة في عرضها، خاصة إن كانت غير موجهة إلى المختصين بالفلسفة – الجمهور العادي – ربما أشهرها «عالم صوفي» لجوستاين جاردر، التي كانت تبسط المفاهيم الفلسفية من وجهة نظر تاريخية. لكن التساؤل هنا يدور حول الأعمال الإبداعية الكبرى، فهل تخلو هذه الأعمال من وجهات نظر فلسفية، أو تبني هذه الوجهة أو تلك لأفكار فلسفية واجتماعية ومناقشتها من خلال الرواية، فماذا عن أعمال ديستويفسكي وتوماس مان ونجيب محفوظ على سبيل المثال؟ أما بالنسبة لمجموعة «طريق الواحات» للكاتب نزار بدران، فلم تكن النصوص على المستوى نفسه، خاصة عندما يناقش الكاتب هذه الأفكار في شكل هو إلى البنية المسرحية أقرب هنا نجد مقولات تتمثلها الشخصيات لا أكثر ولا أقل، ولا نستطيع التماهي مع الشخوص أو نستشعر حياتها وتاريخها، أو أنها شخصيات حقيقية، فقط رموز لأفكار لا أكثر ولا أقل، فاقتصرت على جفاف المادة المعروضة، دون أن تتعداها إلى عمل قصصي مكتمل الأركان، الأمر أشبه بالمحاورات الفلسفية اليونانية، فهل نعد تلك الأعمال من قبيل العمل الأدبي؟!

قد يعجبك ايضا