النمر الأبيض.. ثورة إنسانية خافتة في قميص رواية

 

جميل مفرِّح

“أحلام الأغنياء والفقراء لا تتقاطع أبداً.. فلو تنظر إلى أحلام الفقراء تجد أنهم لا يريدون أكثر من أن يحصلوا على ما يكفيهم من الطعام ليتشبهوا بالأغنياء..
فبماذا يحلم الأغنياء..؟
بفقدان الوزن وأن يبدوا كالفقراء.”
في تقديري الشخصي لم يكن (بالرام حلوي) بطل رواية (النمر الأبيض) متمرداً ولا ثائراً ولا سفاحاً، ولم يكن أيضاً مثالاً يحتذى به كما يحاول بعض المتناقضين وصفه والتقزز منه أحياناً والإشادة به أحياناً أخرى.. بقدر ما كان إنساناً مسحوقاً نظر بتجرد مطلق إلى حياته وحياة الملايين من أبناء طبقته عبر قرون من الزمن.
لقد قرر بالرام في لحظة سوية وربما هوجاء أن يسترد إنسانيته المستلبة، أن يتحول من قضاء حياته كعبد أو كحيوان أو كشيء لا قيمة، إلى ممارسة الحياة بشكلها الذي يجب أن تكون عليه، أن يعيش ككائن بشري لا أكثر..
ليست الهند وحسب
رواية (النمر الأبيض) صُرةٌ كبيرةٌ جداً من المشاهدات والشهادات والتفاصيل المؤلمة والأحزان المحرقة التي تعتري بني البشر في عصرنا الحديث..
مشاهدات وتفاصيل نكذب كثيراً إن قلنا إنها لا تلمس أو تلاحظ وتعاش، ولو في جزء منها، في معظم إن لم يكن في كل البلدان والمجتمعات الشرقية المعاصرة، وبالذات العربية، وليست حكراً على مجتمع مؤلفها وبطلاها الهنديين..
(النمر الأبيض) بقدر ما تشعل فتائل الوجع والأسف والحزن، توقد منارات الفكر وتعصر ذؤابات الذهن وتقودنا بلا هوادة إلى التأمل الحقيقي في واقع الإنسان الشرقي، بل الإنسان عموماً وما يعيش من تناقضات، خصوصاً فيما يتعلق بإنسانيته الموسومة دائماً بلعنة النقص والاهتراء.
ربما حين تنتهي من قراءة هذه الرواية قد تجد نفسك مضطرب المشاعر والمواقف تجاهها، وربما تجاه الحياة برمتها، وربما أيضاً لا يستبعد أن تشعر  بكونك سبباً من أسباب ما يجري في هذا العالم من ظلم وقهر وغبن على بني جلدتك من البشر..
واقع مظلم
ولكن وعلى الرغم من كل ذلك، يكفيك أنك لا تفتأ تمد حواسك لتطمئن على تناسب مساحتي الضوء والظلام بداخلك، وتتلمس، بجدية مطلقة، الإنسان الميت، أو على الأقل بقايا الإنسان المنكفئ هناااااك..
ولا يستبعد- بطبيعة الحال- أن تتساءل: كيف استطاع مؤلفها (آرافيند أديغا) وهو صحافي وروائي شاب لم يتجاوز الـ33 عاماً أن يمخر بك عباب كل ذلك الواقع المظلم والمؤلم، بتفاصيل غاية في الدقة والأنين والدويّ أحياناً عبر رسالة افتراضية يقوم بتحريرها إلى رئيس وزراء الصين الذي يتواجد في الهند في زيارة رسمية..!!
الهند.. هندان
من أهم ما قيل وكتب عن هذه الرواية أنها احتوت على أو أظهرت “هندين” مختلفين أحدهما ظاهر في الظلام والآخر خفي في الظلام، وهو بطبيعة الحال ما كان المؤلف يشير إليه بين جزء وآخر من أجزاء الرواية ويتوقف عنده بين فينة وأخرى من أحداثها.. ويشير واصفون إلى حياة ورحلة بطل الرواية (بالرام حلوي) من ظلام حياته القروية إلى أضواء نجاح رجل الأعمال إلى أنها بشكل قطعي أمر لا أخلاقي وغير محترم، وفي الوقت ذاته وعلى الرغم من ذلك هي رحلة محببة ولا تنسى..
خروج النمر
بطل الرواية – الذي لقب في أجواء وأحداث السرد بالنمر الأبيض- لم يكن خادماً وحسب وإنما هو فيلسوف ورجل أعمال وقاتل أيضاً.. ولد في قرية نائية هناك في البعيد الموغل في الظلام بالنسبة لرجل فقير يعمل ساحب عربة.. نعم خرج بالرام السائق من الجزء المظلم من الهند حيث ولد إلى الهند الأخرى المتمثلة في الهند المضيئة التي لم يعرفها من قبل، وهناك بدأ يفكر في كيفية رفضه لواقعه وواقع بلده الذي ينقسم إلى قسمين سادة أغنياء وعبيد فقراء يخدمونهم ويدينون لهم بالولاء والعبودية المطلقين، لقد فكر كثيراً باعتباره نمراً في خروج هذا النمر الأبيض من قفصه، عن طريق الإعلان عن رفض ذلك الواقع المزري، وعندما لم يجد طريقة تعبير فعالة انتهى به الأمر ذات مساء ممطر بطعن سيده وولي رزقه المليونير عدة طعنات في مكان ناء ما حول المدينة، معتقداً أن الأمطار كفيلة ليس بغسل دماء ضحيته وإنما بغسل جريمته التي يرى أنها مبررة إلى الأبد.. والاستيلاء على مبلغ مالي كان بصحبته ليبدأ به حياته في مكان آخر من الأماكن المقتسمة للضوء والظلام في بلده، وليهزأ ويسخر بإمعان من واقع هذا البلد وأهله وما يأكل جسده من فساد مؤسف..
تضحية باهظة
سرعان ما يغدو السائق والخادم الفقير نمراً متمرداً ويكسر أقفاصه، ثم رجل أعمال مشهوراً مختاراً لنفسه اسماً آخر، وهو يعرف حق المعرفة أن ذلك لا يهدد حياته بل حياة بشر آخرين هم أهله في القرية، فيبدأ يتخيل ما قد يفعله أهل الضحية بأهله.. فمن الطبيعي أنهم لن يتركوا أحداً من أسرته حياً بعد فعلته وجريمته، عدا ابن شقيقه الذي يرافقه، وبالرغم من ذلك يقرر دون مبالاة أن يضحي بالجميع ويكتفي بذلك الفتى الذي برفقته ويرسل كل فرد من أفراد عائلته إلى الجحيم دون هوادة.. ليجلس أخيراً تحت الثريا الفاخرة في مكتبه ويروي لنا قصته بل قصة وطنه وشعبه المقهور عموماً في رسالة افتراضية يكتبها للسفير الأجنبي الذي يزور بلاده.
أشياء مملوكة
الأبرز والأهم من كل شيء في هذا العمل الروائي أن مؤلفه أديغا استطاع بطريقة سلسة – وإن كانت محزنة وخارقة التأثير والأسى أن يصور الكثير من مآسي الملايين من أبناء بلده الذين يعيشون في أقاصي الظلام راضين بأن يكونوا ما يكونون حتى أشياء مملوكة وليس عبيداً وحسب، وعكس بطرق ووسائل وإن كانت تنافي سنن وقوانين الحياة كيف أن للإنسان المقهور أن يزأر ويكسر قيود القهر حتى وإن كان عبر تلك الطرق والوسائل غير المثالية، أو غير المشروعة.
حقاً، حين يكون الظلام دامساً وصامتاً، يبدو الشرر الباهت مثل بروق مرعبة، ويغدو الأنين رعوداً مزمجرةً تصم آذان الوجود..
الرواية والراوي
رواية النمر الأبيض حازت على جائزة البوكر عام 2008م وتحولت قبل أيام قليلة فقط في الهند إلى فيلم سينمائي غاية في الإتقان والتأثير وذي شعبية تأثيرية غير عادية ، حيث تشير الأنباء المنشورة مؤخراً إلى إقبال متزايد على طلبه..
المؤلف الهندي الشاب (آرافيند أديغا) ولد في مدراس 1974م.. نشأ في أستراليا ودرس في جامعتي كولومبيا وأكسفورد، وقد عمل مراسلاً صحفياً في الهند لمجلة تايم، ونشرت تقاريره ومواده الصحفية في الفانينشال تايم والاندبندنت والصنداي تايمز، وهذه هي روايته الأولى..
أما الترجمة فللشاعر والباحث العراقي سهيل نجم الذي أقام في اليمن سنوات ودرس في جامعة صنعاء.. له ثلاثة من الأعمال الشعرية وأنجز عدداً من الدراسات النقدية والأدبية الهامة، بالإضافة ترجمته أعمالاً شعرية من أهمها الأعمال الشعرية الكاملة لتيد هيوز  وروايات عالمية من بينها (القديس فرانسيس) لنيكوس كازنتزاكيس و(الإنجيل يرويه المسيح) لساراماجو و(خرائط) للروائي الصومالي نور الدين فارح.

قد يعجبك ايضا