“أمة لا تحكم العقل”

 

حسن سعيد الدبعي

في ذات كل واحد منا جانبان عقلي وعاطفي، وهما يشكلان عاملي توازن في الشخصية، ومن الواضح أن معظم الناس يعانون من طغيان العاطفة عليهم وما ذلك إلا لأن العاطفة فطرة، أما العقلانية والمحاكمة العقلية الجيدة فهي من الأمور المكتسبة وأكثر الناس لا تسمح لهم ظروفهم بأن يكتسبوا المبادئ والمفاهيم التي تجعل الجانب العقلي لديهم مكافئاً للجانب العاطفي.
نحن معاشر العرب متهمون بسيطرة عواطفنا، وهو اتهام صحيح مائة بالمائة، كما أنه ليس بعيداً عن الواقع، فالحالة التعيسة التي تعيشها الأمة العربة إنما هي نتاج سيطرة العواطف والبعد عن تحكيم العقل ونجد أن معظم الشعوب النامية تعاني من طغيان عواطفها عليها مما أثر على مجريات أمورها الهامة والمفصلية، وما ذلك إلا أُثر من آثار الثقافة الشفاهية التي خضعت لها منذ عشرات الأجيال، حيث أن الأمية لا تسمح بالكثير من التنظيم العقلي ولا بالتخطيط البعيد المدى مما جعل الفوضى والارتجالية معلماً واضحاً في حياة الشفاهيين، وطبيعة العاطفة أنها تميل إلى أن تكون قصيرة وغير منظمة وكلما ترسخت التقاليد الكتابية في بيئة تحسن مستوى التنظير العقلي وتحسنت بالتالي القدرة على توجيه العواطف والتحكم بها.
ليس في كون المرء عاطفياً ما يعيب، فالعاطفة سمة أودعها الخالق في عباده والتأثر الشعوري ينطوي على الكثير من سمات النبل وله من الدلالات الخلقية والاجتماعية الفاضلة الكثير، والإيمان بالله جل وعلا يتلبس بانفعال شعوري وإشراق روحي لا يستهان بهما، ولكن شتان بين تأثر عاطفي يتم في إطار الحق أو بسبب معرفته وبين تأثر يخرج صاحبه من إطار العدل والصواب بين مشاعر نحن نصنعها ونوجهها لاسيما فيما يتعلق بمصالح الأمة وكرامتها وبين مشاعر تسيطر علينا وتوجهنا وتسوقنا إلى متاهات الذل والخنوع والاستكانة للأعداء من كل حدب وصوب.
وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على الانفعال العاطفي الشديد الذي لا يجد صاحبه سوى الدمع للتعبير عنه حين قال (وإذا سمعوا ما أنزل على الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق) إنه انفعال شديد بسبب معرفة الحق والاهتداء إليه، وعلمنا الله جل وعلا كيف نصنع مشاعرنا عن الطريق البر والإحسان والأعمال الصالحة حين قال (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).
الإنسان العاطفي مستعد للتخلي عن ميزانه العقلي بسرعة فهو إن خاصم نسي كل فضائل الخصم وإن صادق نسي كل سلبيات الصديق، ونتيجة لهذا الخلل فإن من السهل عنده أن ينقلب الصديق إلى عدو والعدو إلى صديق.. ولذلك فالعاطفيون مزاجيون يصعب الوثوق بهم والاعتماد عليهم، يثير المديح ريحيتهم فيطلقون الوعود المعسولة ويهونون كل صعب فإذا جاء وقت الوفاء وجدوا أنفسهم غير قادرين على فعل أي شيء، وهذا ما نلاحظه في حياتنا العملية وعلى كل المستويات ولهذا كله فإن الشخص العاطفي يبدو بمثابة قوة صوتية تارة وبمثابة قوة صمتية تارة أخرى، وقلما يثبت أنه قوة حقيقية.
يستمتع الإنسان العاطفي بفوران العاطفة، وهذا خطأ ما لم يواكبه عقل يميز بين الخبيث والطيب وما حال الأمة العربية الراهن إلا نتاج هذه العواطف التي تبعد العقل عن دائرة الأحداث.

قد يعجبك ايضا