مدينة ترöيم .. من السيف إلى الكöتاب
يكتبها: علي بارجاء
زيارة مدينة تريم دائما ما تكتسب بعدا ثقافيا سواء قصد الزائر منها ذلك أم لم يقصد في تريم ترتفع مآذن مساجدها الكثيرة لتعلن كلمة التوحيد لله, وتدل على وسطية واعتدال المنهج, سماحة الإسلام في تريم تلحظ في بشاشة أهلها وحسن تعاملهم, والسماحة وحسن التعامل ثقافة قبل أن يكونا قيمة وسلوكا وخلقا إسلاميا, في تريم تتعلم كيف تنتقل المدن إلى المدنية بهöمم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه, فآثروا العمل على الكلام, والفعل على التنظير والجدل العقيم.
تريم مدينة العöلمö والعلماء بإجماع المؤرخين, وكانت حادثة (كسر السيف) في القرن السابع الهجري على يدي فقيهها المقدم محمد بن علي إيذانا بانتقالها إلى الحياة العلمية ليكون العöلم هو خير ما يورöثه الآباء لأبنائهم, ومن جليل ما روي عن تريم في مرحلة من تاريخها أنه اجتمع في مصطبة أحد مساجدها ثلاثمائة من العلماء الفقهاء المفتöين, وأن شوارعها شيخ لمن لا شيخ له, وفي بيتي العلامة عبدالرحمن بن عبدالله بن أسعد اليافعي المتوفى أواخر القرن الثامن الهجري قطع لقولö كلö خطيب, حيث قال في وادي حضرموت التي تعد تريم تاجه العöلمي:
مررت بوادي حضرموت مسلöما ** فألفيته بالبöشرö مبتسما رحúبا
وألفيت فيهö من جهابذة العلا ** أكابر لا يلفون شرقا ولا غربا
ظلت هذه المدينة محافöظة على مكانتها العلمية والتزامها الديني, حتى أصبحت سمة من سماتها وهوية تعرف بها, وبهذه الهوية ارتحل رجالها لنشر الإسلام إلى أقاصي الشرق, وظلت تحارب بصمتö الواثöق من أجل بقاء وتأصيل هذه الهوية, و لتتوارثها الأجيال حتى في أقسى المراحل السياسية التي حاولت القضاء عليها واستبدالها بهوية أخرى غريبة عنها وتكريما لهذه المدينة اختöيرت في العام ????م لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية بغضö النظر عما اعترض هذا الحدث الكبير من عرقلة من قöبل من لا يعترفون لأحد بفضل أو رöيادة في التفوق والتميز.
في تريم لا يخلو بيت من كتاب, وفيها (مكتبة الأحقاف) التي جمöعت كتبها من بيوت أشهر علماء المدينة وخاصتها من الميسورين, ومكتبة الأحقاف وما فيها من كتب فكرة يعود فضل اقتراح إنشائها للأستاذ الأديب السياسي المؤرخ علي عقيل بن يحيى لينقذ بها هذه الكتب من مصير الإحراق بعد أن اتهöمت بأنها كتب صفراء في زمن التهور الثوري ولذا فتريم مدينة الكتاب, حين أحتاج إلى كتاب فإني لا أفكر سوى في تريم, وكانت آخر زياراتي إليها للبحث عن بعض الكتب في أواخر أكتوبر المنصرم, وفي تريم كانت المفاجأة رائعة حين زرت (المكتبة الحضرمية) التابعة لمركز تريم للدراسات والنشر, تذكرت حينها حلما طالما كان يراودني, وهو أن أجد كل ما صدر من كتب عن اليمن في كل مجالات العلوم والمعارف لكتاب يمنيين في اليمن أو المهاجر اليمنية, أو ما كتبه غير اليمنيين مجموعة في مكتبة واحدة, وتحت سقف واحد ليسهل على الباحثين الحصول على ما يريدون من مصادر ومراجع, وقد جعلت هذا الحلم توصية ضمن توصيات بحث قدمته في ندوة (المغتربون الرافد الأساسي للتنمية المستدامة) التي انعقدت في صنعاء في إبريل ????م.
(المكتبة الحضرمية) التي زرتها في تريم فكرة لجمع كل ما صدر من كتب لكتاب من أبناء حضرموت أو المنتسبين إليها في الوطن أو المهاجر, أو ما كتب عن حضرموت لكتاب من غير أبنائها, وهي نواة أتمنى أن تنمو وتكبر, وهي أيضا مبادرة و جهد فردي لرجل مثقف مهتم ومخلص من أهل تريم.
فهل نجد من وزارة الثقافة تبنöيا لمشروع مكتبة وطنية جامعة شاملة تضم كل ما كتبه اليمنيون وغير اليمنيين عن اليمن في كل بقاع العالم قديما وحديثا, بما في ذلك كل الدوريات? وأحسب أنه لا يزال في هذه الوزارة من هم أحياء يستمعون لصوت المنادي, فلعلهم يلبون النداء!.