حرب الروح حين يصبح الإيمان تهديداً للنظام العالمي

د. سامي عطا

 

 

استهلال لا بد منه
في عام 2021م، أطلقت منصة نتفليكس مسلسلاً يصور الجنة كمنتجع سياحي فاخر، والجحيم كملهى ليلي. هذه ليست مجرد سذاجة فنية، بل هي ذروة صراع ثقافي عمره قرون، صراع بين رؤية كونية تجعل الموت بداية، وأخرى تجعله نهاية. بين ثقافة تؤمن بأن الدنيا « مزرعة الآخرة «، وأخرى تعتقد أنها السوق الوحيد المتاح.
الاختلاف التأسيسي: الزمن والغاية
الثقافة الإسلامية: الزمن الخطِّي الهادف
«وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (الذاريات: 56)
ـ الزمن عبارة عن خط مستقيم يبدأ بالخلق وينتهي بالحساب، والدنيا محطة اختبار.
ـ الغاية من الإيمان لا يقتصر على العبادة وحدها، ولكن على العبادة بمعناها الشامل (عمارة الأرض، العدل، التزكية).
ـ المثال على ذلك وقفيات المدارس والمستشفيات في الحضارة الإسلامية – استثمار في الآخرة عبر خدمة الدنيا.
الثقافة المادية المهيمنة، الزمن الدائري الاستهلاكي.
ـ الزمن عبارة عن دائرة مغلقة من الإنتاج والاستهلاك والموت.
ـ الغاية تقوم على تعظيم المتعة الفردية والكفاءة الاقتصادية.
ـ المثال يمكن أن نلقاه في صناعة « اللايف ستايل « التي تبيع السعادة كمنتج استهلاكي.
وجه الصراع بين الثقافتين « مجتمع النمل مقابل مجتمع الصراصير «.
المجتمع التعاضدي ( النموذج الإسلامي ) أو « مجتمع النمل «.
في مجتمع القاهرة الفاطمي، كان « بيت المال « يمول من:
1 ـ الزكاة ( شبكة أمان اجتماعي ).
2 ـ الأوقاف ( تعليم وصحة مجانية ).
3 ـ التكافل العائلي ( القرابة كضمان اجتماعي )
هذا النموذج يجسد الآية: « وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ « (المائدة: 2). الاقتصاد هنا أداة للتراحم، لا غاية في ذاته.المجتمع التنافسي ( النموذج المهيمن ) « مجتمع الصراصير «.
في عام 2023، كشفت دراسة أن 78% من الشباب الأمريكي يشعرون بأنهم « أرقام في نظام « وليسوا بشراً. هذا نتاج:
1 ـ الفردية المتطرفة، في هذا المجتمع « أنت مسؤول عن فشلك ونجاحك فقط «.
2 ـ تسليع العلاقات، كل القيم الأخلاقية وعلاقات أفراد المجتمع تقاس بفائدتها، الصداقة تُقاس بالفائدة، والحب يُختزل في « توافق المصالح «.
3 ـ التفكك الأسري، حيث تعاني الأسرة النووية المنعزلة من مشكلات جمة، وتحمل أعباءً نفسية هائلة.
آليات الصراع بين الثقافتين وكيف تُهزم ثقافة دون حرب؟
الاستعمار الناعم، ثلاثية التعليم والإعلام والقانون
1 ـ التعليم مناهج تدرس « التقدم « كمسار خطي من الدين إلى العلمانية ( نظرية التحديث ).
2 ـ الإعلام، يقوم بترويج « القصة الكبرى « (Meta-narrative) التي تجعل النموذج الغربي قمة التطور البشري.
3 ـ القانون يجعل من معايير “ حقوق الإنسان “ الفردية تتفوق على الحقوق الجماعية والأخلاق الدينية.
اختراق اللغة أو إعادة تعريف المفاهيم
ـ الحرية يتم نقلها من “ تحرير النفس من هوى الشهوات “ ( بالمفهوم الإسلامي ) إلى “ حق الفرد في فعل ما يشاء “ ( بالمفهوم الليبرالي ).
ـ التقدم يتم نقلها من “ تزكية النفس وعمارة الأرض” ( بالمفهوم الإسلامي ) إلى “ زيادة الناتج القومي “ ( بالمفهوم الاقتصادي الليبرالي ).
ـ السعادة، يتم استبدالها من “ الطمأنينة القلبية “ ( بالمفهوم الإسلامي ) إلى “ معدل الاستهلاك “ ( بالمفهوم الليبرالي ).
المقاومة، عندما يتحول التهديد إلى إغراء
نماذج المقاومة الإبداعية:
1 ـ اقتصادياً، يمكن أن نجد هذه المقاومة في بنك “ كفالة “ في ماليزيا الذي يجمع بين التمويل الإسلامي والتكنولوجيا المالية Fintech ) ) ليقدم بديلاً أخلاقياً للقروض الربوية.
2 ـ فنياً هناك مسلسلات عديدة مثل المسلسل الإيراني “ يوسف الصديق “ والمسلسل التركي “محمد الفاتح” وفيلم المخرج يوسف العقاد “ الرسالة “ وكل هذه الأعمال حققت مشاهدات هائلة في العالم الإسلامي والعالمي وقدمت صورة ناصعة عن الإسلام وأسهمت في اقتحام ثقافي للآخر.
3 ـ اجتماعياً حركة “ المدن الذكية الإسلامية “ في إندونيسيا التي تجمع بين التقنية ومبادئ “ الخلة “ ( الأخوة ) و” المساواة “.
الاستشهاد النبوي الحي:
حديث “ مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد “ ( رواه البخاري ) يتحول إلى:
ـ تطبيقات “ التكافل “ الرقمية للتمويل الجماعي.
ـ جمعيات الإحياء التي تعيد مفهوم “ الحسبة “.
ـ بنوك الوقت حيث يتبادل الجيران الخدمات لا النقود.
الخلاصة: لماذا هذا الصراع مصيري؟
ليس الأمر مجرد منافسة بين “ أديان “ و” لا دين “، بل بين:
ـ رؤية تريد الإنسان “ مستهلكاً “ يدفع الاقتصاد ويسكت.
ـ ورؤية تريد الإنسان “ خليفة “ يعمر الأرض ويعدل فيها.
الآية “ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ “ ( الأنفال: 46 ) تحذرنا من الفشل الداخلي، لكنها أيضاً تذكرنا بأن “ الريح “ ( القوة ) تأتي من التماسك حول رؤية كونية بديلة.
النظام العالمي لا يخاف من المسلم الذي يصلي فقط، بل يخاف أكثر من المسلم الذي يصنع نظاماً موازياً.
ـ نظام اقتصادي قائم على المشاركة لا الربا.
ـ نظام فني يقدس الجمال لا الغريزة.
ـ نظام اجتماعي يقوي الروابط لا يفسخها.
التحدي الأخير استعادة التخييل الجمعي.
حين سئل المفكر الإيراني الراحل علي شريعتي “ كيف نقاوم التغريب؟ “ أجاب: “ ليس بإطلاق اللحى وارتداء الجلابيب، بل بإنتاج سينما أفضل من هوليود، وموسيقى أجمل من موزارت “.
الصراع الحقيقي ليس على الأرض فحسب، بل على خيال البشرية ؛ أي مستقبل سنتخيل؟ أي حياة سنعتبرها جديرة بأن تعاش ؟
هذا هو قلب المعركة، معركة التخييل. والمعركة لم تنته، بل هي تبدأ من كل مسلم يرفض أن يكون “ صرصوراً “ في نظام الصراصير، ويصر على أن يكون “ نملة “ في مملكة النمل.
ولا بد من التذكير بهذا الهامش الحيوي، فهذا النص ليس دعوة للانعزال، بل للتفاعل النقدي الخلاق. الإسلام لم ينتشر يوماً بالانغلاق، بل بانفتاح واثق يقدم البديل الأجمل. والتاريخ يشهد أنه كلما حاولت القوى المهيمنة سحق الروح، عادت الروح من حيث لا تحتسب.

قد يعجبك ايضا