في الوقت الذي يعيش فيه أبناء الشعب اليمني في المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة واقعاً كارثياً تتفاقم فيه الأزمة المعيشية، وتتأخر فيه الرواتب لأشهر وسنوات، وتتعطل فيه الكهرباء والمياه، وتنهار فيه الخدمات الصحية والتعليمية، وترتفع فيه أسعار الغذاء والدواء والوقود، لا تجد سلطة الوصاية في ما يسمى مجلس القيادة الرئاسي أي حرج في تحويل الملايين من الدولارات إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، لا لمعالجة وجع الناس، بل لشراء صورة سياسية مستعارة في أروقة الإعلام ودوائر صنع القرار:
الثورة / مصطفى المنتصر
وبحسب ما كشفته مجلة «ريسبونسيبل ستيتكرافت» الأمريكية، استناداً إلى إفصاحات رسمية بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، أبرم ما يسمى مجلس القيادة الرئاسي عقداً مع شركة «الحلول الجيوسياسية ذات المسؤولية المحدودة» في العاصمة واشنطن، بقيمة 110 آلاف دولار شهرياً، ساري المفعول اعتباراً من 14 سبتمبر 2026، ولمدة خمسة أشهر، أي بما يتجاوز 550 ألف دولار إجمالاً، تُدفع من خزينة يمنية أنهكها الجوع والحصار والنهب.
عقد «تجميل الصورة»… ستة لوبيين ومليون دولار على حساب الجائعين
وفق الإفصاحات، يتولى مايكل بيتروتسيلو وفريقه المكوّن من خمسة لوبيين آخرين تقديم خدمات «المشورة الاستراتيجية في مجال الاتصالات»، و«العلاقات الإعلامية والتواصل مع أصحاب المصلحة»، إضافة إلى رصد وتحليل الإعلام التقليدي والرقمي، والتنسيق مع الشركاء والمستشارين والمتعاقدين الذين تستخدمهم سفارة ما تسمى حكومة اليمن في واشنطن.
وبحسبة بسيطة، فإن المبلغ المدفوع شهرياً يعادل على أساس سنوي أكثر من مليون وثلاثمئة ألف دولار، في بلد يُصنَّف من أفقر دول العالم، ويحتل المرتبة الأخيرة عالمياً في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وفق ما أشارت إليه المجلة الأمريكية نفسها.
“ من هو بيتروتسيلو؟ “أعلى ناطق مدفوع للرياض في واشنطن
وهنا كذلك الاسم ليس عابراً، بل هو عنوان المهمة بأكملها. فقد ظل بيتروتسيلو لاعباً في صفوف اللوبي السعودي منذ ما قبل عام 2002، وحصدت شركاته بحسب التقرير أكثر من 140 مليون دولار من الحكومة السعودية منذ هجمات 11 سبتمبر، ما جعل منظمة «الديمقراطية للوطن العربي الآن» الحقوقية — التي أسسها الصحفي الشهيد جمال خاشقجي — تصفه بأنه «أعلى ناطق مدفوع» لصالح الرياض في واشنطن..
وتولت شركته — التي بنت المنظومة الإعلامية للترويج للحرب والحصار — إدارة الرسائل السياسية الرامية إلى حماية الرياض من تداعيات قضية خاشقجي بعد جريمة اغتياله عام 2018، إذ تشير التقارير إلى أن شركة «إم إس إل»، الشركة الأم لشركة «كورفيس»، قبضت أكثر من 18 مليون دولار من الحكومة السعودية خلال العام الذي تلا الجريمة.
ويربط مراقبون بين هذا السجل وبين حقيقة أن الرجل الذي يُستأجر الآن لتلميع صورة «القيادة الرئاسي» هو ذاته من دافع طويلاً عن حملة القصف على اليمنيين، ووقف إلى جانب الحصار الجوي والبحري المفروض على اليمن منذ 2015، الذي وصفته منظمة «هيومن رايتس ووتش» بأنه «استخدام للتجويع كأسلوب من أساليب الحرب.
لماذا الآن؟ توقيت الصفقة يفضح الغاية
لم يأتِ التوقيت عبثاً؛ فسريان العقد في 14 سبتمبر يتقاطع مع استعدادات الرأي العام الدولي في نيويورك لانعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث أقامت الشركة نفسها «مائدة مستديرة» محدودة المدعوين لما تصفه بـ«العلن والتوثيق»، حضرها وزير خارجية ما تسمى حكومة المرتزقة ونائب رئيس ما يسمى مجلس القيادة الرئاسي بعد أن منع العليمي من المغادرة إلى نيويورك لحضور جلسات انعقاد الجمعية العامة للامم المتحدة.
المشهد لا يحتاج إلى كثير من التحليل: قوى الاحتلال السعودي وأدواتها، بعد كل إخفاقاتها وعجزها عن تجديد الشرعية لنفسها أمام شعب يرفض الوصاية، تتحول من «حكومة تدير شؤون الناس» إلى «واجهة تُدار لها العلاقات العامة» في واشنطن.
وفي هذا السياق يقول رائد جرار، مدير المناصرة في منظمة «الديمقراطية للوطن العربي الآن»: «أمضى مايكل بيتروتسيلو عقدين في تسويق الحرب السعودية على اليمن لواشنطن… بنت شركته الموقع الذي قدّم صورة إيجابية لحملة القصف بينما كانت القنابل تتساقط على المدنيين اليمنيين، وأدار الرسائل التي ساعدت الرياض على تغطية جريمة قتل جمال خاشقجي، الرجل الذي أسس منظمتنا.
ويضيف: «الآن تدفع له حكومة اليمن المدعومة سعودياً، وهي حكومة تعيش أصلاً على إعانات الرياض، 110 آلاف دولار شهرياً للدفاع عن جولة جديدة من الحرب نفسها… لا شيء متغير: اسم العميل على استمارة التسجيل تغيّر، أما الدافع والمنتج فلم يتغيرا
الفاتورة يدفعها الموظف والمريض وأمّ الشهيد
المعضلة ليست وجود شركة علاقات عامة في حد ذاتها، بل في «أين تذهب الأموال» و«لمن تُصرف». فـ110 آلاف دولار شهرياً كان يمكن أن تصرف لإنقاذ مستشفى متوقف، أو تشغيل محطة كهرباء، أو صرف رواتب آلاف الموظفين المتكدسين أمام أبواب لا تفتح، أو تأمين أدوية الأبطال القابعين في مستشفيات بلا خدمات.
لكن سلطة الاحتلال في ما يسمى مجلس القيادة الرئاسي، ومرتزقتها الذين أداروا ملف المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة، يقررون أولوية أخرى: تلميع الصورة أمام الكونغرس والإعلام الغربي، لتقترض الشرعية من الخارج، بدلاً من أن تستحقها من الداخل. ومثل هذه الصفقات تكشف المراهنة الحقيقية لدوائر الاحتلال: الاستمرار في تأجيل أزمات اليمنيين، ولعب ورقة «إطالة أمد التصعيد» ومحاولة جر واشنطن إلى دور أكبر في الحرب، بينما تتحول الأموال المخصصة للمواطن إلى فواتير شركات اللوبي في واشنطن.
ليست أزمة موارد… بل أزمة أولويات
المعادلة الخادعة التي يروّج لها الاحتلال السعودي وأدواته تقول إن «اليمن يعاني ضيق الموارد»، لكن الأرقام تكشف الحقيقة عارية: هي ليست أزمة موارد، بل أزمة أولويات وولاء. فالمال موجود، لكن الوجهة واشنطن، والوظائف موجودة، لكن للتزيين والتلميع والقرار موجود، لكنه مكتوب في عواصم غير عواصمنا.
وإذا كان «الدفاع» عن ما يسمى مجلس القيادة الرئاسي يوكل إلى شخص جند قلمه وشركته للدفاع عن القصف والحصار، فمن الطبيعي أن ينتج عن ذلك «دفاع» ذو مضمون واحد: أن تبقى الحرب سوقاً رابحة، وأن يبقى الشعب اليمني وقوداً مجانياً لهذه السوق.
وهنا تظهر حصانة المشروع الوطني اليمني: فالشعب الذي تُقدم له الفتات ويُطلب منه الصمت، هو ذاته الشعب الذي يقرأ الأرقام ويعرف من ينهب ومن يحمي الذين ينهبون، ويرى بأم عينه أن السقف الذي تسمح به «الرئاسة» في ما يسمى المجلس الرئاسي هو سقف من يخدم أسياده، لا سقف من يخدم شعبه.
