قراءة في صراع ما بعد النبوة اليسار واليمين في رحم التاريخ الإسلامي

سامي عطا

” فإذا قرأت تاريخ الإسلام والصراع الذي نشب بعد موت النبي صلوات اللَّه عليه وعلى أله ، فلقد شهد هذا الفرز، فهناك يمين ويسار فيه “. — من حوار راهن

مقدمة/ دهشة التصنيف

يسأل رجلٌ مندهشاً : كيف يمكن أن نجد ” يساراً ” و” يميناً ” في تاريخ الإسلام، فيما القرآن واضح جليّ، لا يقبل التقسيم إلى معسكرين إلاَّ على أساس ” الحق ” و” الباطل ” ؟ وهل يصحّ أن ندعو من هم مع الحق ” يساراً ” ومن هم مع الباطل ” يميناً ” ؟

السؤال ليس اعتباطياً. إنه يكشف عن مفارقة عميقة ؛ فالإسلام، الذي جاء كخطاب توحيدي جامع، سرعان ما شهد في بواكيره الأولى انقساماً سياسياً حاداً، حمل في طياته ما يمكن قراءته اليوم من خلال عدسات ” اليمين ” و ” اليسار “. لكن هذه العدسة ليست استيراداً غربياً طارئاً، بل هي، كما يرى كثير من المفكرين، أداة لفهم صراعات قديمة تتجدد بتجدد الزمان.

واقعة السقيفة/ المخاض الأول للانقسام

لم يكد جسد النبي محمد يوارى الثرى، حتى انكشف عمق الأزمة التي كانت كامنة تحت سطح الوحدة الظاهرة. ففي سقيفة بني ساعدة، اجتمع المهاجرون والأنصار لاختيار من يتولى أمر المسلمين، في مشهد حمل كل عناصر الصراع السياسي: تنافس على السلطة، واختلاف في الرؤية، وتنازع بين ” القديم ” و” الجديد “، بين ” النخبة ” و” القاعدة “.

لقد كان هذا الاجتماع، كما يصفه المؤرخون، ” الاختبار الثاني ” بعد استيعاب واقعة الوفاة ذاتها. وما لبث أن تحول إلى أرضية لتشكل تيارات متباينة: تيار المتمسكين بخلافة ” الصديق ” كحل توافقي، وتيار آخر رأى في ” علي بن أبي طالب ” الامتداد الطبيعي للنبي في الدم والروح. كان هذا هو المنبع الذي انبثق عنه فيما بعد الصراع الأموي – العلوي، ومعركة صفين، وخروج الخوارج الذين “خرجوا على علي” بعد قبوله التحكيم.

اليمين واليسار في الميزان الإسلامي/ قراءة المفكرين

لم تغب هذه الإشكالية عن المفكرين المسلمين المعاصرين. فقد خصص المفكر المصري الراحل حسن حنفي ( 1935-2021 ) كتابه ” اليمين واليسار في الفكر الديني ” لبحث هذه العلاقة بين الفكر الديني والبنية الاجتماعية والسياسية، مطبقاً مفهومي اليمين واليسار على عدد من القضايا التي تناولها علم أصول الدين وعلم الكلام. وقد رأى حنفي أن ” اليمين واليسار ليسا موقفين فكريين متمايزين فحسب، بل هما أيضاً اتجاهان في التفسير “، فاليمين يميل إلى المحافظة والتمسك، بينما اليسار يميل إلى التجديد والنقد.

ومن جهته، تناول المفكر السياسي المصري الراحل أحمد عباس صالح، الموضوع في كتابه ” اليمين واليسار في الإسلام “، معتبراً أن هذه المصطلحات ليست دخيلة على التراث الإسلامي، بل هي أدوات لفهم صراعاته الداخلية.

أما نصر حامد أبو زيد، فقد رأى في كتابه عن اليسار الإسلامي أن المصطلحين يعكسان موقفين تاريخيين من النص والسلطة: اليمين يعني المحافظة والتمسك بالتقاليد، بينما اليسار يعني القراءة النقدية والتاريخية.

عندما ينقلب الميزان/ الحق والباطل بين اليمين واليسار

لكن السؤال الأعمق الذي يثيره واقعنا الراهن هو: هل يمكن أن نطابق بين ” الحق ” و” اليسار “، وبين ” الباطل ” و” اليمين ” ؟.

هنا تكمن المفارقة. فالقرآن لا يعرف ” يساراً ” و” يميناً ” بهذا المعنى السياسي؛ إنما يعرف ” حزب اللَّه ” و” حزب الشيطان “، ” المؤمنين ” و” الكافرين “، ” الصادقين ” و” الكاذبين “. غير أن التاريخ البشري للإسلام، بل تاريخ أي دين أو فكرة، لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن صراعات القوى والمصالح.

ولعل ما يزيد المسألة تعقيداً أن اليمين واليسار مفهومان نسبيان، يتغيران بتغير السياق. فما قد يكون ” يسارياً ” في زمن قد يصبح ” يمينياً ” في زمن آخر، والعكس صحيح. وهذا ما يفسر لماذا يمكن لطرف أن يرى نفسه ممثلاً للحق المطلق، بينما يراه الطرف الآخر ممثلاً للباطل.

الخوارج/ نموذج الصراع بين التطرفين

ربما يكون الخوارج أبلغ مثال على هذا التشابك. فهم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب بعد معركة صفين، رافضين التحكيم بينه وبين معاوية. وقد وصفهم بعض الباحثين بأنهم يمثلون ” تطرفاً ” سواء في أقصى اليمين أو في أقصى اليسار، إذ جمعوا بين التشدد في التكفير واستحلال الدماء، وبين ما يمكن وصفه بـ” ثورية ” مفرطة في رفض السلطة القائمة.

وهذا يذكرنا بأن التصنيف إلى ” يمين ” و” يسار ” لا يعني بالضرورة أن أحدهما خير والآخر شر، بل قد يكون كلا الطرفين بعيداً عن ” الوسط ” الذي هو خير الأمور.

… أن الصراع على السلطة والمعنى كان حاضراً في الإسلام منذ لحظاته الأولى، وأن هذه الصراعات ليست بالضرورة صراعات بين ” خير مطلق ” و” شر مطلق “، بل هي صراعات بين رؤى مختلفة للعالم، بين تأويلات متباينة للنص، بين مصالح متضاربة.

وإذا كان القرآن واضحاً في التفريق بين الحق والباطل، فإن التاريخ البشري، بإنسانيته ونقائصه، يظل مجالاً للاجتهاد والتأويل. وربما كان الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من هذه القراءة هو أن الثنائيات الجامدة، سواء كانت ” يميناً ويساراً ” أو ” حقاً وباطلاً ” بمفهومها المطلق، قد لا تفي بتعقيد الواقع التاريخي. فالواقع، كما يشهد تاريخ صدر الإسلام، كان أكثر تعقيداً من أن يحشر في قوالب جاهزة.

فمن هو مع الحق يحق لنا أن ندعوهم باليسار، وبالتالي فإن من هم مع الباطل يغدون يمينيين؟

ربما.. ولكن السؤال الأهم: كيف نعرف أين يقف كل منا اليوم، في زمن كثرت فيه الادعاءات وتشابكت فيه الرؤى؟.

 

قد يعجبك ايضا