في مرحلة مفصلية من تاريخ المواجهة المفتوحة مع قوى الاستكبار العالمي، تتجلى بوضوح غير مسبوق معالم الاستراتيجية الموحدة لمحور المقاومة، والتي تجاوز فيها مصطلح “وحدة الساحات” زاوية الشعار السياسي أو التضامن المعنوي، وتحول إلى واقع استراتيجي صلب تُبنى عليه المعادلات الإقليمية والدولية.
ويتضح هذا التلاحم المصيري بجلاء من خلال القراءة المتقاطعة لخطاب السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله) بمناسبة المولد النبوي الشريف، والتطورات الجيوسياسية الأخيرة المتمثلة في الشروط الإيرانية الحازمة لفتح مضيق هرمز، والتي تكشف عن انسجام استراتيجي وتكامل في الرؤية.
عند التأمل في الخطاب التاريخي للسيد القائد في يوم المولد النبوي الشريف على صاحبه وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم، نجد أنه أسس لقاعدة انطلاق محورية حينما أعلن الموقف الثابت ضد الطغيان الأمريكي والصهيوني الساعي لـ “تغيير الشرق الأوسط” وإقامة “إسرائيل الكبرى”، والموقف اليمني المبدئي الذي أعلن الوقوف الكامل إلى جانب الشعب الإيراني ونظامه الإسلامي في وجه العدوان المتواصل عليه، كترجمة لموقف جمععي نابع من منظومة متكاملة لـ “ترسيخ مبدأ وحدة الساحات”.
في المقابل، جاءت الترجمة الإيرانية الفورية والعملية لهذا المبدأ عبر أروقة الدبلوماسية الخشنة وموازين القوى في مضيق هرمز، فاشتراط طهران، على لسان نائب وزير خارجيتها، عدم فتح المضيق إلا بـ “رفع الحصار الاقتصادي عن بلاده، ووقف الحرب في لبنان، وحسم وضع الحصار على اليمن”، بقدر ما يمثل دليلا مضافا على هذا الانسجام والتلاحم ، فأنه يمثل سابقة تاريخية ونقطة تحول استراتيجية كبرى، أثبتت خلالها طهران وصنعاء أنهما تنطلقان من غرفة عمليات مبدئية أسست لغرف عمليات سياسية وعسكرية واحدة، حيث تُسخّر الجغرافيا والاقتصاد في خدمة أهداف المحور ككل، وليس لخدمة مصالح قُطرية ضيقة.
وفي إطار وحدة الساحات فأن هذا الخطاب الاستراتيجي والتنسيق العالي بين اليمن والجمهورية الإسلامية، يحمل في طياته دلالات عميقة ترسم مسار العلاقات الراهنة والمستقبلية، عنوانها انصهار الأهداف والمصير المشترك، خنق المشاريع الأمريكية، فرض الشروط وإسقاط الإملاءات.
هذه العناوين، وفي تفاصيلها أن العلاقة بين البلدين تجاوزت التحالفات التقليدية، فانتصار اليمن هو انتصار لإيران، وصمود طهران في وجه الضغوط هو جدار يستند إليه المحور بأكمله.
تدرك واشنطن اليوم أنها لم تعد تواجه جبهات متفرقة يمكن الاستفراد بها، فكما فرض اليمن معادلته الخانقة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ها هي إيران تُحكم القبضة على مضيق هرمز—شريان الطاقة العالمي، هذا التطويق المزدوج الذي يمكن توظيفه ضد المصالح الأمريكية يعرقل تماماً أي مساعٍ واهمة لإعادة تشكيل المنطقة وفق المقاس الإسرائيلي.
واللافت أن دول محور المقاومة ذهبت ابعد من موقع الدفاع أو تلقي الضربات، إلى موقع الهجوم الاستراتيجي وفرض الشروط، والاتفاق الجديد لإدارة مضيق هرمز مع سلطنة عمان يثبت أن المحور يمتلك زمام المبادرة الدبلوماسية والسيادية، ويجبر أمريكا على الرضوخ لشروطه متكاملة.
إن المسار المستقبلي لهذه العلاقة المتجذرة يشير إلى بناء كتلة إقليمية صلبة وعصية على الانكسار، فالتنسيق الذي يربط بين مضيق هرمز وباب المندب، وبين صمود طهران وثبات صنعاء ومقاومة لبنان وفلسطين، هو التجسيد العملي لدعوة السيد القائد للأمة جميعاً إلى “الالتحاق بمحور الجهاد والمقاومة”.
لقد أثبتت الأيام أن الرهان على الهيمنة الأمريكية هو رهان خاسر، وأن المشروع الصهيو-أمريكي يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام محورٍ أتقن لغة القوة، ووحد بنادقه، وربط ساحاته بدم الشهداء وعزيمة القادة.
والمعادلة اليوم واضحة: أمن المنطقة كلٌ لا يتجزأ، ولا سيادة ولا استقرار لأي ممر مائي أو مصالح دولية طالما بقي اليمن محاصراً، ولبنان مهدداً، وفلسطين محتلة، وإيران مستهدفة.
Prev Post
