الثورة نت | ناصر جراده
رسم الشعب اليمني بخروجه المليوني العظيم مشهدًا يمانيًا خالصًا، يحمل دلالات عقائدية وسياسية وشعبية، تُشكّل استفتاءً جماهيريًا متجددًا على تمسكه بنهجه المحمدي الأصيل، فيما تتجاوز المشاهد المليونية التي ترتدي فيها العاصمة صنعاء وبقية المحافظات اليمنية رداءها الأخضر في ذكرى المولد النبوي الشريف مجرد كونها ظاهرة احتفالية عابرة، لتتحول إلى استفتاء شعبي وسيادي متجدد، يُذهل العالم ويُربك حسابات قوى الاستكبار.
وفي زمن تتمادى فيه الهجمات الفكرية والسياسية لتجريف هوية الأمة وتدجين شعوبها، يقف اليمنيون بحشودهم الخضراء سدًا منيعًا، ليؤكدوا أن ارتباطهم بالرسول الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس طقسًا موسميًا، بل هو هوية وجودية، ومصدر قوة، ومعادلة ردع استراتيجية تُترجم في البر والبحر.. واستطلع ’’الثورة نت’’ أبعاد هذا الخروج المليوني العظيم، ودلالاته الروحية والسياسية والثقافية، والرسائل التي يوجهها الشعب اليمني لأعداء الأمة، محاورًا عددًا من الشخصيات العلمائية والسياسية والثقافية.
تجديد للعهد بالرسالة والهوية
في مستهل الاستطلاع، وضع العلامة الدكتور فؤاد ناجي، نائب رئيس الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد وشؤون الحج والعمرة، يده على البعد الإيماني والفكري لهذا التحرك الجماهيري، مؤكدًا أن الخروج المليوني يمثل الحصن المنيع للحفاظ على الهوية الإيمانية اليمانية؛ إذ إن التمسك بإحياء هذه الذكرى الشريفة يعيد ربط الأمة بمصدر عزتها وقوتها، وتتحطم على أعتاب هذا الزخم الميداني كل مخططات الأعداء والحرب الفكرية التي تسعى لفصل الأمة عن نبيها محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم والحد من أثره في النفوس والسلوك.
وأضاف ناجي، في تصريح خاص لـ’’الثورة نت’’: ’’نحن، من خلال هذا الالتفاف حول الرسول الأعظم والتمسك بنهجه، نبعث للعالم أجمع رسالة فكرية وروحية قاطعة، مفادها أن قوة المسلمين ونهضتهم لن تكون إلا بالعودة الصادقة والالتفاف حول القيادة المحمدية، والاستلهام من سيرة الرسول الأعظم كمنهج حياة وشعلة تحرر ومواجهة للظلم والطغيان’’.
وأكد العلامة ناجي أن المناسبة تمثل لليمنيين تجديدًا للعهد التاريخي والأصالة التي بدأها الأنصار الأوائل، وهي للمسلمين جميعًا محطة جامعة للتزود بالقيم والأخلاق وتأكيد وحدة الصف، مشددًا على أن رسالة اليمنيين من ساحات الاحتفال هي رسالة ثبات وصمود وتحدٍّ، تثبت أن شعبًا مرتبطًا برسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم لا يمكن أن يركع أو يستسلم، وأن حشود الميادين هي الاستفتاء الشعبي الحقيقي والمعبر عن خيار العزة والتمسك بالثوابت.
المولد.. تجسيد للتكافل الشعبي
عن البعد الاجتماعي والتلاحم الشعبي، أوضح فضيلة العلامة صالح الخولاني، في تصريح لـ’’الثورة نت’’، أن المشهد المليوني يترجم عمق التراحم والتكافل بين أبناء الشعب اليمني؛ حيث تنعكس المناسبة في حراك إحساني واسع وتفقد للفقراء والمحتاجين، ما يحول الاحتفال إلى حركة مجتمعية شاملة تجسد الأخلاق النبوية المحمدية في التعاطف والتلاحم، وتكسر حدة المعاناة الناجمة عن الحصار والعدوان.
ويرى العلامة الخولاني أن الخروج الاستثنائي في مختلف المحافظات يحمل دلالة التمسك بالنصرة التاريخية، ويؤكد للعالم أن الروح الإيمانية لدى اليمنيين متوقدة وعابرة لكل التحديات، وأن الميادين الممتلئة بالبشر هي إعلان صريح بالاستعداد الدائم للدفاع عن قيم الأمة ومقدساتها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تظل حاضرة في وجدان كل يمني خرج تحت راية «لبيك يا رسول الله».
الزخم الشعبي.. قوة ردع
في قراءة سياسية واستراتيجية تفكك أثر هذا الخروج في مراكز القرار الدولي، يرى الناشط السياسي الدكتور عارف العامري أن هذه المسيرات المليونية لم تعد تُقرأ في الغرب كحدث تضامني تقليدي، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الحرب النفسية ومعادلات الردع في المنطقة، مؤكدًا أنها تحظى بمتابعة دقيقة وتحليلات مكثفة في مراكز الأبحاث الغربية والصحافة الصهيونية، مثل «هآرتس» و«يديعوت أحرونوت»، والقنوات العبرية 12 و13 و14، التي تركز على الأبعاد الأمنية والعسكرية المباشرة لهذا الزخم.
وأكد الدكتور العامري، في تصريح لـ’’الثورة نت’’، أن هذا الحشد المليوني يوفر غطاءً شرعيًا وجماهيريًا مطلقًا لاتخاذ أصعب القرارات، قائلًا: ’’هذا التفويض الجارف يمنح القيادة الثورية، ممثلة بالسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، يحفظه الله، والقيادة السياسية والعسكرية، الحرية الكاملة لاتخاذ كافة الإجراءات الاستراتيجية عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا.. وبين أن الإعلام العبري يعيش حالة قلق بالغ من هذا الضغط البشري؛ لأنه يدرك أن الميادين تُشرعن فرض معادلات الردع: الحصار بالحصار، والمطار بالمطار، والميناء بالميناء، وتلغي أي حرج سياسي قد تواجهه القيادة».
ويضيف العامري أن مراكز الأبحاث الدولية، كمعهد واشنطن، تحذر من أن اليمن يطرح «نموذجًا ملهمًا» يعيد تقديمه كقائد لزمام المبادرة في الشارع العربي والمنطقة، موضحًا أن الميادين تقدم ’’قوة’’ مكملة للقوة الصلبة ومثبتة لفرض الحظر البحري وإسناد جبهات القتال، وتوجه رسالة قاطعة لواشنطن وتل أبيب والرياض بأن المواجهة ليست مع فصيل، بل مع بيئة شعبية عريضة تتبنى خيار المواجهة كعقيدة وهوية، مما يجعل اليمن جبهة عصية على التفكيك الداخلي وسدًا بشريًا لا يمكن اختراقه.
تحصين الوعي في مواجهة الحرب الناعمة
من الناحية الثقافية والتوعوية، يبين الناشط الثقافي الأستاذ نبيل المهدي أن الحراك الثقافي المصاحب للمناسبة، عبر الندوات والخواطر والأمسيات، يعمل على تقديم الهدى وسيرة الرسول القولية والفعلية، بهدف تحصين الجيل الناشئ من الحرب الناعمة الفكرية والأخلاقية، وإبراز النبي الأعظم، صاحب الخلق العظيم، كقدوة مطلقة تسقط أمامها كل الرموز الفاسدة.
وعن اللوحة البصرية والتجهيزات الميدانية، أوضح الأستاذ المهدي لـ’’الثورة نت’’أن الشعب اليمني اليوم تفوق على الأنصار في استقبالهم للرسول صلوات الله عليه وعلى آله وسلم أثناء الهجرة النبوية؛ إذ يستعد لاستقبال المولد لأكثر من شهر ليلًا ونهارًا، متقدمًا بملحمة بصرية وزينة وحضور يشد أنظار البشرية لرسول الله الذي بُعث رحمة للعالمين’’.
وأكد المهدي أن هذا الحضور المليوني يعبر عن وعي سياسي وثقافي متزايد يهدف لإيصال رسالة قوية لأعداء الأمة في واشنطن وتل أبيب والرياض لإفشال مؤامراتهم، مضيفًا’’ العدو يفهم جيدًا ما يعنيه ارتباط الملايين برسول الله المجاهد الذي واجه الطواغيت؛ فاقتداء الشعب به يربي أمة ثائرة لا ترضى بالظلم، وهذا مصدر الغيظ الأكبر للعدو الذي يريد أمة جامدة خاضعة، ومن خلال الأنشطة الثقافية نربط موقف أنصار اليوم في البحر الأحمر وباب المندب بموقف أنصار الأمس في بدر وأحد، ليرسخ لدى الأجيال أنها تسير في ذات الركاب المبارك’’.
المولد.. مشهد يختصر حكاية اليمن
لم تكن الميادين الخضراء في اليمن مجرد مشهد احتفالي عابر، بل اختزلت صورة شعبٍ يرى في ارتباطه بالرسول الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم هويةً ومنهجًا ومسؤولية، وفي هذا الحضور المليوني، تتكامل دلالات الإيمان والوعي والثبات، لتؤكد أن المولد النبوي في اليمن تحول إلى محطة متجددة لتعزيز الهوية وترسيخ الصمود والتمسك بقضايا الأمة.
ومن ساحات الاحتفاء إلى ميادين المواجهة، تبدو الرسالة واحدة: شعبٌ يستمد من رسوله قيم العزة والكرامة، ويترجمها موقفًا ثابتًا في مواجهة الظلم والعدوان ومشاريع الهيمنة، وهكذا جسّد الخروج المليوني هويةً راسخة وإرادةً لا تنكسر، مؤكدًا أن اليمن، المرتبط برسول الله قائدًا وقدوة، ماضٍ بثبات في طريق العزة والتمسك بهويته وقضايا أمته، ولن يثنيه حصار ولا عدوان.
