زلزال «المولد النبوي» وهدم الجدار الجيو-ديني لـ«قرن الشيطان»

محمد عبدالله الخربي

لم تعد الجغرافيا مجرد تضاريس ترسم حدود الدول، بل غدت ساحة مفتوحة لتشكيل الهويات أو مسخها. وفي قلب المشهد الإقليمي المعاصر، تتكشف ملامح ما يمكن تسميته بـ«جغرافيا المسخ الوظيفي»؛ حيث تُساق كيانات وأنظمة لخلع جلدها التاريخي والديني، والتحول إلى مجرد “أدوات وظيفية” لحراسة المصالح الاستعمارية. غير أن المشهد اليماني المليوني المتجدد في ذكرى المولد النبوي الشريف، لم يكن مجرد احتفالية دينية عابرة، بل جاء كـ«زلزال شعب وعقائدي» هزّ الأركان، ليدكّ بوعيه المتدفق ذلك «الجدار الجيو-ديني» المصطنع الذي حاولت منظومة «قرن الشيطان» تشييده لعقود؛ سياجاً للتطبيع، وتدجيناً للأمة، ومصادرةً لرمزية مقدساتها.

أولاً: تفكيك البنية.. ما هي «جغرافيا المسخ الوظيفي»؟

في القاموس الجيوسياسي الحديث، لم تعد وظيفة الدول تقتصر على حماية سيادتها أو رعاية مصالح شعوبها، بل برز نمط مشوه من الكيانات التي تُسلب إرادتها لتتحول إلى ما يُعرف بـ”الدول الوظيفية”. وحين نسلط الضوء على جغرافيا منطقتنا، نجد أننا أمام حالة متقدمة من «المسخ الوظيفي»؛ وهي عملية هندسة سياسية وفكرية جرى من خلالها تجريد أنظمة إقليمية محورية من عمقها العربي والإسلامي التاريخي، وإعادة برمجتها لتؤدي دوراً “وظيفياً” محدداً: حراسة المصالح الاستعمارية الغربية، وتأمين التمدد الصهيوني في المنطقة.

إن هذه الجغرافيا الممسوخة لا تتحرك وفق مصالح شعوبها، بل كأدوات تنفيذية مستلبة. لقد تحولت الثروة النفطية والموقع الجغرافي الاستراتيجي لهذه المنظومة من عناصر قوة للأمة العربية والإسلامية، إلى خناجر طعنت القضية الفلسطينية، وموّلت حروب التفتيت والتمزيق الداخلي في اليمن، وسوريا، والعراق، ليبيا.

المسخ الوظيفي هنا يتجلى في أبهى صوره عندما نرى عواصم كانت تُحسب على الحواضر العربية، وهي تسخّر كل ترسانتها الإعلامية، والمالية، والدبلوماسية لتجريم المقاومة، وشرعنة التطبيع، وتحويل العدو الصهيوني الوجودي إلى “شريك وحليف”، بينما يُصنف أبناء الأمة الأحرار كأعداء. إنها جغرافيا مصطنعة استبدلت الانتماء القومي والإسلامي بالتبعية المطلقة للإدارة الأمريكية، لتصبح مجرد خط دفاع أمامي لحماية “إسرائيل” ومشاريع الهيمنة الغربية في المنطقة.

ثانياً: «قرن الشيطان» وتحصينات الجدار الجيو-ديني

لم يكن لـ«جغرافيا المسخ الوظيفي» أن تستقر وتتمدد دون إقامة سياج فكري يحمي عروشها ويسوّغ مخازيها السياسية؛ ومن هنا برزت الحاجة إلى تشييد ما يمكن تسميته بـ«الجدار الجيو-ديني». هذا الجدار ليس حجراً يُبنى، بل هو منظومة متكاملة من الفتاوى الموجهة، والخطاب الديني المدجن، والمؤسسات الرسمية المخترقة التي عملت منظومة «قرن الشيطان» على تمويلها وتوجيهها لعقود مضت.

الهدف الأساسي لهذا الجدار الجيو-ديني هو “إعادة هندسة الوعي الإسلامي” بما يتوافق مع الرغبات الأمريكية والصهيونية. وتحت لافتات مضللة مثل “التسامح الإبراهيمي” أو “طاعة ولي الأمر والمصلحة”، جرى تفريغ الدين الإسلامي من محتواه الجهادي والتحرري، وتحويله إلى أداة تبريرية تسوغ الارتماء في أحضان كيان العدو الصهيوني، وتجريد الأمة من مكامن قوتها الفكرية والعقائدية.

لقد استغلت هذه المنظومة نفوذها المالي وإشرافها الجغرافي على الديار المقدسة لاحتكار “الشرعية الدينية”، مستخدمة منابر المسلمين لتجريم حركات المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن، وفي المقابل، صمتت صمت القبور أمام تدنيس المقدسات وحرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. إن هذا الجدار الجيو-ديني يمثل التهديد الأخطر، لأنه يحاول شرعنة الخيانة، وتحويل التبعية للغرب إلى “واجب شرعي”، والعداء للمقاومة إلى “موقف ديني”، وهو ما جعل كسر هذا الجدار ضرورة حتمية لاستعادة الهوية والأمة المنتكسة.

ثالثاً: زلزال «المولد النبوي».. إعادة ترسيم حدود الوعي

أمام هذا الإطباق السياسي والفكري، أطلّ اليمن من بين الركام والحصار ليفجر «زلزال المولد النبوي»؛ ذلك الطوفان البشري المليوني الذي تدفق إلى الساحات والميادين، حاملاً رسالة جيو-استراتيجية بالغة الأثر تجاوزت أبعادها الطابع الاحتفالي التقليدي. لقد مثّل هذا الاحتشاد اليمني غير المسبوق إعلاناً صريحاً بسقوط “الجدار الجيو-ديني” المصطنع، ونسفاً لكافة محاولات التزييف والتدجين الفكري التي قادتها منظومة «قرن الشيطان».

إن أهمية هذا الزلزال الشعبي تكمن في إعادة بوصلة الأمة إلى مركزها الحقيقي: الرسول الأكرم والقرآن الكريم كمنطلق للتحرر والمواجهة، وليس كأدوات لتبرير الخنوع. عندما يحتشد ملايين اليمنيين تحت راية نصرة المظلومين في غزة وفلسطين، وفي مواجهة مباشرة مع ثلاثي الشر (أمريكا، بريطانيا، والكيان الصهيوني)، فإنهم يعيدون ترسيم حدود الوعي الإسلامي والعربي.

بهذا الزخم، أسقطت صنعاء احتكار “الشرعية الدينية” الزائفة، وأثبتت أن من يملك قلوب الجماهير وإرادة الجهاد هو من يقود الأمة فكرياً وعملياً. لقد تحول المولد النبوي الشريف في اليمن من مجرد مناسبة دينية إلى جبهة استراتيجية متقدمة، ومحطة سنوية لإعلان فشل «المسخ الوظيفي»، ليتأكد للعالم أجمع أن اليمن غدا الصخرة الصلبة التي تتكسر عليها كل مشاريع الهيمنة والتطبيع والتبعية.

خاتمة المقال: فجرٌ يماني يمحو عار المسخ

ختاماً، إن المعركة الدائرة اليوم بين اليمن الحُر ومنظومة «قرن الشيطان» ليست مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية، بل هي صراع وجودي بين أصالة الهوية وزيف «المسخ الوظيفي». لقد توهمت قوى الاستكبار العالمي، وأدواتها الإقليمية، أن أموال النفط وجدران التدجين الفكري قادرة على طمس معالم الأمة وتمرير مشاريع التطبيع والتركيع الإجباري.

جاء الرد اليماني المليوني ليعلن للعالم أجمع أن زمن الاستلاب قد ولى بلا رجعة. إن «زلزال المولد النبوي» لم يدك التحصينات الجيو-دينية المصطنعة فحسب، بل أعاد صياغة التاريخ والوعي من جديد، واضعاً اليمن في مكانه الطبيعي: قائداً لراية التحرر، ومدافعاً أول عن مقدسات الأمة وقضيتها المركزية فلسطين.

الرسالة النهائية التي خطتها جماهير اليمن بالدم والوعي والاحتشاد الاستراتيجي هي: “إن الجغرافيا التي تخلع جلدها لتخدم أعداءها مآلها السقوط والاندحار، وإن الجغرافيا المعمدة بالولاء الصادق للرسول الأكرم وبنهج الجهاد والمقاومة هي التي ستصنع الفجر الجديد للأمة وتطهر أرضها من دنس الصهاينة والتابعين”.

قد يعجبك ايضا