بين أداء الفريضة وإقامة الروح.. هل نحن نُصلّي حقاً؟

شاهر أحمد عمير

 

حين يتوقف المتأمل عند الركن الثاني من أركان الإسلام، يبرز أمامه تساؤل جوهري طالما مرّ عليه الكثيرون مرور الكرام: ما الفرق الحقيقي بين أداء الصلاة وإقامة الصلاة، أليس الكل في النهاية يؤدي الحركات ذاتها؟ والحقيقة أن التأمل العميق في النصوص الشرعية والواقع المعيش يكشف عن بون شاسع وفارق دقيق بين المعنيين. فأداء الصلاة، ببساطة مفرطة، هو أن ينهض الإنسان لإتيان الفريضة في ميقاتها المحدد، فيأتي بأركانها الظاهرة من قيام وقعود وركوع وسجود وتلاوة، وهو الحد الأدنى الذي تبرأ به الذمة فقهياً. أما إقامة الصلاة فهي مفهوم أشمل وأعمق وأغور؛ إنها إقامتها بحقها وقدرها، بأن تُؤدى بقلب حيّ، ووجدان خاشع، ونفس مستشعر عظَمة الواقف بين يديه، مدركاً لمعاني ما يقرأ، واعيًا لمن يناجي، بحيث لا تقف العبادة عند حدود الحركات الجسدية، بل تتجاوزها لتترك بصمتها الجليّة وعميق أثرها في أخلاق العبد، وسلوكه، ومعاملاته، وحياته برمتها.

وإذا ما استلهمنا السيرة العطرة لرسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله، فسنجد النموذج الفريد والمثل الأعلى في التعامل مع هذا الركن العظيم. لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل مع الصلاة كواجب ثقيل أو عبء يؤديه للتخلص من تبعاته، بل كان إذا حضر وقتها تغير حاله تماماً، وانقطع عن شواغل الدنيا ومشاغلها، مُقبلاً على الله سبحانه وتعالى بكلّيَتِهِ، في حالة من الخشوع المطلق والاشتياق الروحي العارم. لقد كان يدرك تمام الإدراك قيمة تلك اللحظات، وبمن يلتقي، ومن الذي يقف في حضرته القدسية، ومن عظيم وجده وشوقه كان ينادي بلالاً بقوله الخالد: «أرحنا بها يا بلال»، لتكون الصلاة بالنسبة له الواحة التي تفيض بالطمأنينة والسكينة والراحة الحقيقية، لا مجرد وقت ينقضي.

وعندما نضع واقعنا المعاصر في كفة ميزان المقارنة مع ذلك النموذج النبوي الشريف، فإننا سنصطدم بفارق يستوجب منا الوقفة المتأملة والمحاسبة الصادقة. كم منا إذا حلّ وقت الصلاة، سواء كان مستغرقاً في عمله أو فارغاً من شؤونه، تسرّب إلى نفسه شعور خفي بالاستياء أو التفاجئ بقدوم الأذان، وكأن نداء الحق جاء في غير أوانه! هكذا بكل صراحة وبساطة، نقضي الساعات الطوال مستغرقين في أعمالنا، أو منكبين على شاشات هواتفنا، أو متبادلين لأحاديث قد لا تسمن ولا تغني من جوع، فإذا ما جاء وقت الصلاة استكثرنا بضع دقائق معدودات نقف فيها بين يدي خالقنا. بل إن البعض منّا ليُصلي على عجلة من أمره كأنه في سباق محموم مع الزمن؛ بلا خشوع، ولا تعظيم، ولا استشعار حقيقي لجلال الموقف. هذه السلبيات التي تكتنف أداءنا للصلوات هي مصدر ألم حقيقي؛ فالصلاة ليست شيئاً عابراً في حياة الإنسان المسلم، بل هي أعظم صلة تربط المخلوق بخالقه، والفيصل الأجلى بين الإيمان وما سواه.

من هنا تنبع الضرورة الملحة لاستذكار المعنى الحقيقي للصلاة، وإعادة النظر في كيفيتها، فلا نتحول إلى مصلين لمجرد إسقاط الفرض وصون الظاهر فحسب. إننا نقرأ الآيات ولا نتدبر معانيها، ونركع ونسجد كحركات ميكانيكية خالية من الروح واستشعار العظمة لمن نخر ساجدين في حضرته. لقد وضع لنا القرآن الكريم معياراً دقيقاً لثمرة الصلاة الحقيقية في محكم تنزيله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾، وهو ما يقتضي حتماً أن يظهر أثر الصلاة جلياً في واقعنا المعيشي؛ في سلوكنا اليومي، وفي صدقنا وأمانتنا، وفي تعاملنا الراقي مع الخلق، وقبل ذلك كله في عمق صلتنا بالله عز وجل.

وإن هذه المعاني العظيمة والارتباط الحيّ بالقيم الإيمانية يتجلّى بصورة أعمق حين نتأمل موقعنا اليوم ونحن قادمون على ذكرى المولد النبوي الشريف، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله. إن الاحتفال بهذه المناسبة العطرة وإحياء ذكرى مولده ليس مجرد شعور عابر، بل هو محطة تربوية واعية لدارسة سيرته العطرة وجهاده العظيم. لقد كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أعظم قائد وأنجح قائد على وجه الأرض؛ أقام دولة إسلامية متكاملة من الصفر إلى القمة، حتى أصبحت الأمة الإسلامية بفضل الله ثم بجهاده وبنائه تنافس الإمبراطوريات الكبرى كالروم والفرس، وكانت العزة والرفعة لهذا الدين على يد تلك الأمة المجاهدة الصادقة التي أسس قواعدها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

إن إحياءنا لذكرى مولد نبينا الكريم يجب أن يتسق مع إحياء روحه ومنهجه في وجدان الأمة الإسلامية، وفي قلوب المؤمنين الصادقين والمجاهدين في سبيل الله. فكما أننا مطالبون بإقامة الصلاة حق الإقامة لا أديانها شكلاً فحسب، نحن مطالبون اليوم بأن نُقيم نهج الرسول وسيرته في واقع حياتنا عملاً وسلوكاً وجهاداً، لتتحول صلاتنا وعبادتنا وطاعاتنا إلى طاقة روحية متجددة تغيّر النفوس، وتقرّب القلوب، وتهذب الأخلاق، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، لنكون بحق كما أهّلنا الله أمةً تنهض بالحق وتقيم العدل على هدي نبيها الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

قد يعجبك ايضا