المعركة اليوم ليست مجرد مواجهة بين مجاهدي الجيش اليمني وأحرار وشرفاء اليمن من جهة، وبين المرتزقة المنخرطين في معسكرات العدو السعودي من جهة أخرى؛ فاختزال المعركة وحصرها في هؤلاء وحدهم يقزم حقيقتها ويضيق نطاقها ويصرف الأنظار عن أصل القضية وجوهر المعركة.
ولو كانت المعركة محصورة في مواجهة من يقاتلون من أبناء البلد لما طال أمدها إلى هذا الحد؛ لأن هؤلاء مهما بلغ حجم مشاركتهم ليسوا سوى جزء من مشهد أوسع وأدوات في معركة تتجاوزهم.
أما جوهر المعركة الحقيقي فيتمثل في مواجهة قوى الطاغوت والاستكبار العالمي والسياسات التي تستهدف الأمة واليمن في المقدمة وتفرض عليه العدوان والحصار وتتدخل في شؤونه وتحاول إبقاءه أسيرا للوصاية والتبعية رهينا للحصار وتحرم شعبه من حقه في الاستفادة من ثرواته وخيراته بعد عقود وقرون من الأطماع والتدخلات.
ومن هنا ينبغي أن تتجه البوصلة السياسية والإعلامية نحو أصل المشكلة وأن تنصرف الأنظار إلى من يشن العدوان ويحاصر اليمن ويستهدف قراره وسيادته بلا ذنب لا أن تنشغل بالأدوات التي يسعى العدو من خلالها إلى حجب مسؤوليته والتنصل من تبعات عدوانه وحصاره.
فالانشغال المفرط بالمرتزقة وتحويلهم إلى عنوان المعركة وغايتها قد يقود إلى قلب صورة المعركة الحقيقية فبدل أن تبقى المسؤولية واضحة تجاه من يشن العدوان والحصار يتحول المشهد إلى صراع يستنزف اليمنيين بعضهم ضد بعض بينما يتوارى صاحب العدوان خلف أدواته.
أما من انخرطوا من أبناء اليمن في معسكرات العدو السعودي فهذه رسالة ونصيحة قبل فوات الأوان لا تجعلوا من أنفسكم جسرا يعبر عليه العدو إلى وطنكم ولا دروعا بشرية وكباش فداء لجنوده ولا وقودا لمعركة تستهدف شعبكم.
لا تكونوا أداة رخيصة في يد من يشن العدوان والحصار على بلدكم ولا تجعلوا خلافاتكم السياسية أو حساباتكم وأطماعكم المادية سببا في إطالة أمد العدوان والحصار على وطنكم وأبناء شعبكم فمهما كانت الخلافات ومهما اتسعت مساحات التباين يبقى الوطن أوسع من الخصومة وتبقى مصلحة اليمنيين أحق بالتقديم من أي اصطفاف أو حساب.
إن العودة إلى حضن الوطن ووقف المشاركة في العدوان والحصار ضد أبناء البلد تظل خيار متاح لمن يريد مراجعة موقفه وتصحيح مساره وليس المطلوب من كل من غُرِّر به أن يحمل سلاحه ويذهب لمواجهة عدو اليمن التاريخي؛ فهذه مسؤولية كبيرة وثقيلة لا يحملها إلا أهلها وخاصتها من أحرار وشرفاء اليمن.
والمطلوب منكم فقط قبل كل شيء ألا تمنحوا المعتدي الذي يسعى لثني شعبنا عن معركة كسر الحصار وإنهاء العدوان مزيدا من الأدوات لإطالة أمد العدوان والحصار المفروض ظلما وعدوانا على شعبنا.
إنها دعوة إلى تغليب مصلحة اليمن على خدمة أعدائه وإلى إعادة النظر في موقع كل يمني من هذا العدوان الذي يستهدف اليمنيين عموما دون استثناء؛ فالسؤال الحقيقي ليس: مع من تقفون؟ بل: لصالح من تقفون؟ ومن المستفيد من تحركاتكم.
هل يكون اليمني جزءا من استمرار حصار ومعاناة بلده أم ينسحب من معسكرات الخيانة والارتزاق ويعود إلى حضن أهله ووطنه ويغلق الطريق أمام من يريد أن يجعل من أبناء اليمن أدوات في معركة تخدم أهداف أعداء الأمة قبل غيرهم وما يحتاجه اليمن اليوم هو رفض تحويل بعض أبنائه إلى وقود لحرب تخدم العدو الأمريكي والإسرائيلي والبريطاني قبل العدو السعودي، وفتح الطريق لكسر غطرسة عدو لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة.
إن المعركة الحقيقية في جوهرها ليست معركة يمنيين ضد يمنيين وإنما معركة وطن يريد أن يستعيد قراره وسيادته وينهي التدخل الخارجي في شؤونه ويضع حدا للعدوان والحصار المفروضين عليه ظلما لما يقارب اثني عشر عاما.
ومن الخطأ أن يسمح اليمني بأن يتحول إلى ثغرة ينفذ منها العدو التاريخي لليمن وان يجعل من نفسه وقودا لمعركة لا تخدم في نهايتها إلا أعداء الإسلام بشكل عام ومن يريد لليمن أن يبقى ضعيفا ومنقسما ومستنزفا.
إن أخطر ما يمكن أن يحققه العدو أن ينجح في تحويل البعض من أبناء البلد الواحد إلى أدوات رخيصة تخدم أجنداته واحتلاله وأن يجعل اليمني يوجه سلاحه إلى أخيه المدافع عن سيادة شعبه وكرامته وحريته واستقلاله بينما يبتعد المعتدي الحقيقي عن دائرة المواجهة المباشرة والنار.
ولهذا فإن الموقف الأكثر مسؤولية هو أن يتوقف كل يمني عن تقديم نفسه وقودا لاستمرار العدوان والحصار.
اختاروا لأنفسكم قبل فوات الأوان: إما أن تستمروا في معسكرات الخيانة في طريق يخدم من يقتل ويحاصر اليمن ويعتدي على شعوب أمتنا ويسعى إلى إحتلال البلدان العربية والإسلامية؛ أو أن تعودوا إلى بلدكم وأهلكم وتغادروا معسكرات الخيانة.
فالعودة إلى حضن الوطن ليست ضعفا ولا هزيمة وليست تراجعا يُعاب على صاحبه وإنما هي تصحيح للموقف الخاطئ قبل أن يصبح ثمن الخطأ أكبر وأفدح وقبل أن يجد المرء نفسه وقد خسر دينه ووطنه وأهله ومستقبله دفاعا عمن لا يريد لليمن وأبنائه إلا المزيد من الدمار والضعف والانقسام والحصار والمعاناة فاجعلوا اليمن أولا وضعوا مصلحته فوق كل اصطفاف ولا تمنحوا عدوكم فرصة أن يطيل العدوان والحصار على بلدكم.
