حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من تواتر الخطوات المنسقة الرامية إلى تفكيك المحكمة الجنائية الدولية وشلّ قدرتها على ممارسة اختصاصها.
وأضاف في بيان صحفي ، اليوم الخميس، أن تلك الخطوات تجلّت مؤخرًا في إعلان كل من “فنزويلا” و”تشاد” بدء إجراءات الانسحاب من نظام روما الأساسي بالتزامن مع التحريض الأميركي العلني ضد المحكمة وفرض عقوبات على مسؤوليها فضلًا عن امتناع دول أوروبية أطراف عن التعامل الجدي مع مذكرات التوقيف الصادرة بحق مسؤولين إسرائيليين.
واعتبر أن ذلك يمثّل مسارًا بالغ الخطورة يهدف إلى إضعاف منظومة العدالة الجنائية الدولية، وحرمان ضحايا الجرائم الدولية من إحدى آليات المساءلة القليلة المتاحة، على نحو يعزز إفلات الجناة من العقاب ويوفر غطاءً سياسيًا وقانونيًا لاستمرار الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي.
وأعرب المرصد الأورومتوسطي، عن قلقه البالغ إزاء إعلان حكومة تشاد بدء إجراءات الانسحاب من المحكمة، مشيرًا إلى أنّ هذه الخطوة جاءت بعد أيام قليلة من إعلان فنزويلا إخطار الأمم المتحدة بقرارها الانسحاب، وبعد إخطارات مماثلة قدمتها النيجر ومالي وبوركينا فاسو، بما يكشف عن اتساع مقلق للتوجه نحو الانسحاب من نظام روما، داخل القارة الأفريقية وخارجها.
وأوضح أنّ الانسحابات المتتالية لا تعاقب المحكمة كمؤسسة بقدر ما تضر الضحايا أنفسهم وتقلص قدرتهم على الوصول إلى العدالة، وتمنح مرتكبي الجرائم الدولية مساحة أوسع للإفلات من العقاب.
وبيّن المرصد الأورومتوسطي أنّ تزامن قراري فنزويلا وتشاد بالانسحاب مع قرارات مماثلة اتخذتها دول أخرى يكشف عن مسار منهجي لتقويض المحكمة يقوم على مسارين متكاملين؛ أولهما هجوم خارجي مكثّف تقوده الولايات المتحدة بدعم من إسرائيل، عبر فرض العقوبات وإطلاق التهديدات والتحريض العلني للدول الأطراف على الانسحاب، وثانيهما تقويض داخلي تمارسه حكومات دول أطراف، سواء بانسحابها في ظل تحقيقات قائمة أو التزامات بالتعاون مع المحكمة، أم بانتقاء القرارات التي تنفذها ورفض توقيف المطلوبين وتسليمهم.
ونبّه إلى أنّ الترحيب الأميركي بانسحابي “فنزويلا” و”تشاد” لا يمكن فصله عن الحملة المنهجية التي أعلنتها إدارة الرئيس “دونالد ترمب” لتفكيك المحكمة، إذ رحبت واشنطن بقرار “فنزويلا” في 25 يوليو 2026، ثم بقرار “تشاد” في 27 يوليو عقب إعلان وزير الخارجية الأميركي “ماركو روبيو” في 13 يوليو إطلاق حملة أمريكية رسمية لتفكيك المحكمة.
ولفت إلى أنّ هذه الانسحابات المتتالية لا تعاقب المحكمة كمؤسسة بقدر ما تضر الضحايا أنفسهم وتقلص قدرتهم على الوصول إلى العدالة، وتمنح مرتكبي الجرائم الدولية مساحة أوسع للإفلات من العقاب في ظل غياب بدائل قضائية وطنية فعالة ومستقلة.
وأكد المرصد الأورومتوسطي أنّ الانتقادات الموجهة إلى المحكمة الجنائية الدولية بشأن بطء إجراءاتها، وانتقائيتها في التعاطي مع الملفات، ومحدودية نتائجها، هي انتقادات مشروعة تستوجب إصلاحات هيكلية جادة تعزز استقلال المحكمة وكفاءتها واتساق عملها، مشددًا على أنّ معالجة هذه الاختلالات لا تكون بتفكيك المحكمة أو الانسحاب منها، بل بإصلاحها من الداخل، وتعزيز فعاليتها، وضمان ممارستها اختصاصها دون انتقائية أو تدخل سياسي.
وشدّد المرصد الأورومتوسطي على ضرورة عدم توظيف أوجه القصور التي شابت عمل المحكمة في مراحل سابقة ذريعةً لاستهدافها وتقويض عملها، مؤكدًا أنّ ما تعانيه منظومة العدالة الدولية من انتقائية يستوجب إصلاح آليات المساءلة وتوسيع نطاق تطبيقها على نحو متسق، لا إضعاف إحدى الآليات القليلة المتاحة لملاحقة المسؤولين عن أخطر الجرائم الدولية.
وأشار إلى “المفارقة الصارخة المتمثلة في توظيف الإدارة الأميركية للاعتراضات الأفريقية على انتقائية المحكمة، في الوقت الذي تصعّد فيه حملتها المنهجية ضد المنظومة القضائية الدولية أساسًا بعدما امتد عمل المحكمة ليطال مسؤولين في إسرائيل حليفتها الاستراتيجية الرئيسية”.
وبيّن أنّ إقدام واشنطن على فرض عقوبات مالية وقيود سفر على المدعي العام للمحكمة وقضاتها ونواب المدعين، بسبب عملهم في ملفات تتعلق بمسؤولين أميركيين وإسرائيليين، يمثّل تدخلًا سافرًا ومباشرًا في استقلال القضاء الدولي، تمتد آثاره إلى ترهيب العاملين في المحكمة، وعرقلة وصولها إلى الموارد والخدمات المالية والتقنية اللازمة لعملها، وردع المصارف والشركات والمنظمات والخبراء عن التعاون معها، وإبطاء التحقيقات وإعاقة تنفيذ قراراتها وتقليص فرص الضحايا في الوصول إلى العدالة، فضلًا عن تكريس سابقة خطيرة تتيح للدول القوية معاقبة القضاء الدولي كلما اقترب من مسؤوليها أو حلفائها، بما يوسّع دائرة الإفلات من العقاب.
وذكّر المرصد الأورومتوسطي بأنّ الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية كانت قد أصدرت في 21 نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” ووزير الدفاع السابق “يوآف غالانت” بعد أن خلص قضاتها إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما الجنائية عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في قطاع غزة.
وشدد على أنّ مذكرتي التوقيف ما تزالان نافذتين، وأنّ الدول الأطراف ملزمة بالتعاون مع المحكمة لتنفيذهما، مؤكدًا أنّ الادعاء بانتفاء اختصاص المحكمة لأنّ إسرائيل ليست طرفًا في نظام روما لا يستند إلى أساس قانوني، إذ يقوم اختصاصها على وقوع الجرائم محل التحقيق في إقليم دولة فلسطين، وهي دولة طرف، ويشمل هذا الاختصاص قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وبالتالي فإنّ عدم انضمام إسرائيل إلى نظام روما لا يحصّن مسؤوليها من المساءلة عن الجرائم التي يُشتبه في ارتكابهم إياها على إقليم دولة طرف.
وأوضح المرصد الأورومتوسطي أنّ سماح اليونان وإيطاليا وفرنسا لطائرة حكومية تقلّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعبور أجوائها خلال توجهه أخيرًا إلى الولايات المتحدة، رغم أنّ الدول الثلاث أطراف في نظام روما وتعلم بوجود مذكرة توقيف نافذة بحقه، يثير تساؤلات جدية بشأن اتساق هذا السلوك مع التزامها بالتعاون بحسن نية مع المحكمة وعدم تقويض تنفيذ قراراتها.
واعتبر أنّ منح الطائرة إذنًا مسبقًا بعبور الأجواء لم يكن إجراءً مفروضًا على هذه الدول، بل قرارًا سياديًا كان بوسعها رفضه، وقد سهّل عمليًا تنقّل شخص مطلوب للمحكمة للاشتباه بمسؤوليته عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقوّض الغاية من مذكرة التوقيف، بما يكشف عن تناقض فجّ بين التزامات هذه الدول وإعلاناتها المتكررة دعم المحكمة من جهة، وقراراتها الفعلية التي تساعد المطلوبين على تجنّب خطر التوقيف من جهة أخرى.
ودعا الدول الأطراف، وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي، إلى اتخاذ تدابير قانونية ومالية وتقنية جماعية تحمي المحكمة وموظفيها والمتعاونين معها من آثار العقوبات والضغوط السياسية، وتضمن استمرار حصولها على الخدمات والموارد اللازمة لأداء عملها.
وطالب الدول الأوروبية الأطراف في نظام روما بتحويل دعمها المعلن للمحكمة إلى إجراءات عملية، من خلال رفض استقبال الأشخاص المطلوبين للمحكمة أو تسهيل تنقّلهم عبر أجوائها، وضمان توقيفهم وتسليمهم عند وجودهم على أراضيها وفقًا لالتزاماتها القانونية، وفي مقدمة ذلك تنفيذ مذكرتي التوقيف الصادرتين بحق نتنياهو وغالانت من دون انتقائية أو خضوع للضغوط السياسية.
كما دعا الدول الأطراف بمراجعة تشريعاتها الوطنية واعتماد بروتوكولات واضحة وملزمة لتنفيذ طلبات التوقيف والتسليم، والتعامل مع طلبات العبور والهبوط والزيارات الرسمية للأشخاص المطلوبين، بما يمنع توظيف الثغرات الإجرائية لحمايتهم.
وشدّد على ضرورة استمرار التحقيق في الوضع في دولة فلسطين، بما يشمل الجرائم المرتكبة في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وتنفيذ مذكرتي التوقيف الصادرتين بحق “نتنياهو” و”غالانت” من دون انتقائية أو تدخل سياسي، ورفض أي محاولة لتعطيل التحقيق أو التأثير في أولوياته ومساره.