أبعاد التغلغل الصهيوني في الصومال وخطورته على اليمن

عادل حويس

بين طيات التاريخ وجغرافيا القرن الإفريقي لطالما كانت الصومال حارسة البوابة الجنوبية للأمة وحصنا منيعا تتحطم على صخرته الأطماع الاستعمارية.

غير أن هذه البلاد المثقلة بالجراح وتقلبات الزمن، تواجه اليوم واحدة من أخطر التحديات الصامتة التي تستهدف هويتها وسيادتها وعمقها الاستراتيجي. إن الاختراق الصهيوني المتصاعد للداخل الصومالي لم يعد مجرد هواجس سياسية بل تحول إلى واقع يتسلل بنعومة عبر نوافذ متعددة اقتصادية وأمنية وسياسية.
هذا التواجد لا يمكن قراءته كخطوة عابرة أو مجرد رغبة في بناء علاقات دبلوماسية طبيعية، بل هو استراتيجية ممنهجة ومحسوبة بدقة تهدف إلى محاصرة العمق الاستراتيجي العربي والتحكم بالممرات المائية الحيوية وفي مقدمتها مضيق باب المندب والبحر الأحمر وبحر العرب.
وتكمن الخطورة الأولى والمباشرة لهذا التواجد في محاولة الكيان الصهيوني تطويق الأمن القومي العربي من جهة الجنوب وهو ما يشكل تهديدا مباشرا وحادا لأمن الجمهورية اليمنية.
إن التموضع الصهيوني على السواحل الصومالية المقابلة لليمن، يمنح الاحتلال قدرة استخباراتية وعسكرية متقدمة للإشراف المباشر على مضيق باب المندب وخليج عدن مما يضع السيادة اليمنية وأمنها البحري في مرمى النيران الصهيونية.
وهذا القرب الجغرافي يتيح لتل أبيب مراقبة الشواطئ والموانئ اليمنية والتحكم في خطوط الملاحة التي تعتمد عليها اليمن حيويا، فضلا عن إمكانية استخدام الأراضي الصومالية كقاعدة انطلاق لتنفيذ عمليات أمنية أو عسكرية خاطفة تستهدف الداخل اليمني، مما يحول الممر المائي المشترك بين البلدين إلى ساحة توتر دائم وصراع دولي مفتوح.
علاوة على ذلك، يحمل التغلغل الصهيوني في الساحة الصومالية أبعادا تفكيكية خطيرة للنسيج الداخلي الصومالي ولعلاقاته التاريخية بجيرانه، إذ يعمد هذا التواجد إلى استغلال حالة الهشاشة السياسية والنزاعات العشائرية والتطلعات الانفصالية لبعض الأقاليم الصومالية.
ومن خلال تقديم وعود بالدعم العسكري والاعتراف السياسي لبعض الكيانات المحلية بعيدا عن الحكومة المركزية في مقديشو، يساهم الكيان الصهيوني في تكريس الانقسام وتغذية النزعات الانفصالية، مما يهدد وحدة الأراضي الصومالية، هذا الضعف الصومالي المتعمد ينعكس سلبا وبشكل فوري على اليمن الذي يواجه بالفعل أزمات مركبة، حيث يفتح الباب لتنامي موجات اللجوء غير المنظم ويسهل نشاط شبكات التهريب العابر للحدود والجريمة المنظمة والجماعات المتطرفة التي تجد في غياب الدولة بيئة خصبة للتحرك بين ضفتي خليج عدن.
ولا تقتصر المخاطر عند الحدود السياسية والعسكرية، بل تمتد لتشمل الجوانب الاقتصادية والأمنية من خلال شركات الأمن الخاصة والشركات الاستثمارية الواجهية التي تتسلل إلى قطاعات الموانئ والثروات الطبيعية الصومالية.
إن هذا التواجد الاقتصادي المقنع يعمل كغطاء لعمليات تجسس واسعة النطاق تشمل رصد حركة السفن اليمنية والنشاط الاقتصادي في الموانئ اليمنية القريبة مثل عدن والمكلا والمخا.
كما يسعى هذا التغلغل إلى محاصرة المواقف الشعبية والرسمية الراسخة في اليمن والصومال والتي عرفت تاريخيا بالرفض المطلق للاحتلال والدعم اللا محدود للقضية الفلسطينية، محاولا كسر هذا التلاحم الشعبي التاريخي عبر فرض واقع أمني واقتصادي جديد يجبر المنطقة على القبول بالتواجد الصهيوني كأمر واقع.
إن مواجهة هذه الخطورة الداهمة لا تتطلب يقظة من النخبة السياسية والشعب الصومالي فحسب، بل تستدعي تنسيقا وتحركا يمنيا وعربيا عاجلا وجادا لإعادة احتضان الصومال وتقديم الدعم الحقيقي له لحماية أمنه وسيادته. إن ترك الصومال وحيدا في مواجهة هذه الإغراءات والضغوط الصهيونية، يمثل ثغرة خطيرة في جدار الأمن الجماعي وتحديدا أمن البحر الأحمر وخليج عدن فالقرن الإفريقي ليس مجرد جغرافيا بعيدة عن اليمن، بل هو الامتداد الأمني الحيوي لها وإذا ما تمكن الاحتلال من الاستقرار فيه فإن شظايا هذا التواجد ستطال السواحل والعواصم العربية كافة ولن يكون الصومال حينها سوى نقطة الانطلاق لمخططات أوسع تستهدف خنق اليمن وإعادة تشكيل المنطقة برمتها وفق الرؤية الصهيونية.
ختاما يظل الصومال بقلبه النابض بالعروبة والإسلام أكبر من أن يبتلعه مخطط عابر، لكن التاريخ يعلمنا أن القلاع لا تؤخذ إلا من داخلها وأن التغاضي عن الاختراقات الصغيرة يمهد الطريق لإنبات واقع مرير يصعب تغييره.
إن حماية الصومال من المخالب الصهيونية، ليست ترفا سياسيا أو شأنا صوماليا داخليا، بل هي معركة وجودية تتقاسمها اليمن ومصر وكافة الدول الحريصة على أمن هذا الممر الدولي الحساس.
لقد حان الوقت لتصحو العواصم العربية من غفوتها وتدرك أن الذود عن مقديشو هو ذود عن عدن والقاهرة والقدس وأن بقاء الصومال حرا قويا وموحدا هو الضمانة الوحيدة ليبقى البحر الأحمر بحيرة أمن وسلام وعمقا عصيا على الانكسار.

قد يعجبك ايضا