الثورة نت | ناصر جراده
يمثل اتفاق تبادل الأسرى بين صنعاء والرياض محطة إنسانية ووطنية بارزة في مسار التفاهمات الجارية، ويعكس ـ بحسب محللين ومراقبين سياسيين ـ قدرة صنعاء على تثبيت الملفات الإنسانية كأولوية لا يمكن تجاوزها، رغم التعقيدات السياسية والضغوط العسكرية والاقتصادية التي رافقت المرحلة الماضية.
ويرى محللون تحدثوا لـ ’’الثورة نت’’ أن هذا الإنجاز جاء نتيجة نهج قائم على الصبر الاستراتيجي والثبات في إدارة ملفات التفاوض، مؤكدين أن نجاح ملف الأسرى لا ينفصل عن التحولات الإقليمية والميدانية، ولا عن تنامي حضور صنعاء السياسي والإنساني في مسار التفاهمات.
وأشاروا إلى أن الاتفاق يمهد للانتقال نحو استحقاقات إنسانية أكثر أهمية، في مقدمتها صرف المرتبات، ورفع الحصار، وفتح مطار صنعاء بصورة كاملة، باعتبارها ملفات لا يمكن فصلها عن أي مسار حقيقي لتحقيق السلام.
الصبر أفشل المراهنات
أكد المحلل السياسي العميد عبدالغني الزبيدي في حديث خاص لـ ’’الثورة نت’’ أن إنجاز ملف الأسرى كان يفترض أن يتحقق منذ وقت مبكر، إلا أن الطرف الآخر تعمد المماطلة نتيجة رهانات مرتبطة بالتطورات الإقليمية، خصوصاً بعد موقف اليمن المساند لغزة.
وأوضح الزبيدي أن بعض الأطراف، وفي مقدمتها الجانب الأمريكي، راهنت على أن الضغوط الإنسانية والاقتصادية قد تؤثر على موقف صنعاء الداعم لغزة، إلى جانب وجود رهانات سعودية بأن الضغط عبر الملفات الإنسانية، ومنها ملف الأسرى، قد يدفع صنعاء إلى تقديم تنازلات.
وأشار إلى أن صنعاء نجحت في إدارة الملف باحترافية عالية، رغم العراقيل والتأخير المتكرر في تنفيذ التفاهمات، مؤكداً أن الصبر الاستراتيجي والضغوط المدروسة كانا عاملين رئيسيين في تحقيق هذا الإنجاز.
وأضاف أن نجاح ملف الأسرى يعزز قدرة صنعاء على الدفع باتجاه ملفات إنسانية أخرى، وفي مقدمتها المرتبات ورفع الحصار وفتح مطار صنعاء بشكل كامل، لافتاً إلى أن فشل الرهانات العسكرية والاقتصادية على صنعاء، إلى جانب وجود قوة وتأثيرات هددت بها صنعاء بإغلاق مضيق باب المندب وإرسال رسائل عسكرية إلى الجانب السعودي، أسهم في تقريب مسار التفاهمات الإنسانية.
وبيّن الزبيدي أن معادلة الثقة لا تُبنى إلا من خلال القوة والمواقف الثابتة، موضحاً أن حالة انعدام الثقة مع الجانب السعودي ما تزال قائمة نتيجة ارتباطه بالموقف الأمريكي ومصالحه في المنطقة، وأن أي تقدم مستقبلي سيظل مرتبطاً بطبيعة التطورات الإقليمية والسياسية القادمة.
بوابة لتعزيز فرص السلام
من جانبه، أكد الباحث السياسي الدكتور عارف مثنى العامري، رئيس المركز الجيوسياسي للدراسات الاستراتيجية، في حديث خاص لـ ’’الثورة نت’’، أن ملف الأسرى يُعد من أهم الملفات الإنسانية في أي مفاوضات سلام، نظراً لارتباطه المباشر بآلام ومعاناة آلاف الأسر اليمنية.
وأوضح العامري أن هذا الملف يحظى بحساسية مجتمعية وشعبية كبيرة، ما يجعله أحد الملفات القادرة على خلق أجواء إيجابية وبناء الثقة بين الأطراف، مبيناً أن نجاح المفاوضات في هذا الجانب يعكس جدية التوجه نحو مناقشة ملفات أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن نجاح اتفاق تبادل الأسرى يمنح الوسطاء مساحة أوسع للتحرك باتجاه توسيع فرص السلام، ويفتح المجال أمام معالجة ملفات إنسانية وسيادية أخرى، بعيداً عن أي تدخلات تمس سيادة اليمن أو قراره الوطني.
وأكد العامري أن الاتفاق يسهم في تحسين لغة الحوار وتخفيف حالة الاحتقان، كما يعزز موقع صنعاء كطرف تفاوضي قوي ومستقل يرفض الإملاءات الخارجية.
وأضاف أن القيادة الثورية ممثلة في سماحة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، حرصت خلال مختلف جولات التفاوض على وضع الملف الإنساني في مقدمة الأولويات، باعتباره مرتبطاً بشكل مباشر بمعاناة المواطنين واحتياجاتهم الأساسية، موضحاً أن استمرار الحصار وإغلاق المطارات والطرق يقوض أي جهود حقيقية لتحقيق السلام العادل والمشرف.
ولفت إلى أن إنجاز كامل بنود الملف الإنساني سيمثل مدخلاً مهماً نحو تسوية سياسية وعسكرية شاملة تحفظ حقوق اليمن وتمنع التدخل في شؤونه الداخلية.
إنجاز يعكس نهج صنعاء
بدوره، أكد المحلل السياسي الدكتور يوسف الحاضري، في حديث خاص لـ ’’الثورة نت’’ أن اتفاق ملف الأسرى، رغم العراقيل التي وضعتها دول العدوان والضغوط الأمريكية والإسرائيلية على السعودية، يعكس حجم الجهود الكبيرة التي بذلتها صنعاء ولجنة التفاوض التابعة لها.
وأوضح الحاضري أن القيادة في صنعاء وضعت ملف الأسرى في مقدمة الأولويات، متقدماً حتى على ملفات الرواتب والحصار، انطلاقاً من المسؤولية تجاه الأسرى وعائلاتهم وما يمثلونه من رمزية وطنية وإنسانية.
وأشار إلى أن هذا الملف يرتبط بالمجاهدين الذين قدموا التضحيات في سبيل الله ودفاعاً عن اليمن، كما يرتبط بمعاناة أسرهم التي ظلت تنتظر لحظة الإفراج عن أبنائها، مؤكداً أن نجاح الاتفاق يمثل انتصاراً للإرادة اليمنية وللنهج الذي تتبناه صنعاء في إدارة الملفات الوطنية والإنسانية.
وأضاف أن ما تحقق يعكس حرص الدولة على التخفيف من معاناة المواطنين، ويؤكد أن القيادة تنظر إلى أبناء الشعب باعتبارهم أولوية في مختلف السياسات والتوجهات، مشيراً إلى أن صنعاء قدمت كثيراً من التسهيلات الممكنة لإنجاز هذا الملف الإنساني.
خطوة نحو استحقاقات أكبر
يمثل اتفاق الأسرى تحولاً مهماً في مسار التفاهمات القائمة، إذ لا تقتصر دلالاته على البعد الإنساني فحسب، بل تعكس قدرة صنعاء على فرض أولوياتها الوطنية والإنسانية رغم التعقيدات الإقليمية والدولية.. كما يعزز الاتفاق فرص الانتقال نحو معالجة ملفات أكثر حساسية، وفي مقدمتها صرف المرتبات ورفع الحصار وفتح المطارات والموانئ، باعتبارها استحقاقات إنسانية ملحة لا يمكن فصلها عن أي مسار حقيقي لتحقيق السلام الشامل والعادل والمشرف في اليمن.
