تحليل/ زينب عبدالوهاب الشهاري
استهلال:
تجاوزت جبهة الشمال في مايو 2026م توصيف جبهة المشاغلة التقليدية أو الإسناد المحدود، لتتحول إلى مختبر استنزاف سيادي واسع النطاق أطاح بأركان العقيدة الأمنية الصهيونية التي أرساها دافيد بن غوريون، والقائمة على مبدأ نقل المعركة إلى أرض العدو والحسم السريع والإنذار المبكر. نحن أمام مشهد استراتيجي معقد يُعاد فيه تعريف مفهوم التفوق الجوي والسيطرة التكنولوجية؛ حيث لم تعد الترسانة الغربية الكثيفة من حاملات الطائرات أو منظومات الرادار المعقدة متعددة الطبقات قادرة على حماية العمق الصهيوني من اختراقات مسيّرة تكنولوجياً ومدفوعة بإرادة قتالية صلبة وتخطيط عملياتي دقيق.
إن ما يجري على طول الحدود اللبنانية الفلسطينية هو عملية تفكيك ممنهج لأدوات السيطرة والسيادة الصهيونية، مما وضع الكيان بكافة مستوياته السياسية والعسكرية في حالة من الذهول الاستراتيجي والعمى العملياتي الذي يسبق عادة الانهيارات الكبرى في بنية الجيوش التقليدية.
المحور الأول: هندسة الإعماء الاستراتيجي وتقويض منظومات الوعي الاستخباري
لم تكن عمليات استهداف أجهزة الرصد والمراقبة الصهيونية الممتدة على طول الشريط الحدودي مجرد ضربات عشوائية أو تكتيكية، بل كانت جراحة عسكرية دقيقة وعميقة استهدفت سلب العدو قدرته على الرؤية، والتحليل، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
* الاستنزاف التكنولوجي الحاد: تشير التقديرات المبنية على المصادر المفتوحة وتحليلات الرصد الميداني المستقلة إلى أن المقاومة قد تكون نجحت، عبر خطة تراكمية، في تحييد ما يقارب 87% من البنية التحتية الاستخباراتية المتطورة على طول 120 كم من الحافة الأمامية. هذا الاستهداف الممنهج شمل تفكيك الرادارات التكتيكية عالية الحساسية، ومنظومات التشويش الحربي الإلكتروني، والكاميرات الحرارية وطويلة المدى، وأجهزة الاستشعار الصوتي التي كانت توفر وعياً ظرفياً لحظياً ومستمراً لغرف العمليات الصهيونية. هذا الفقدان للبصر الميداني أجبر جيش الاحتلال على الاعتماد على بدائل بشرية أو جوية أكثر عرضة للخطر وأقل كفاءة في التغطية المستمرة.
* سقوط ميرون وتل شمايم: تجاوزت الضربات الدقيقة الحافة الأمامية للحدود لتطال أعصاب الرؤية والتحكم في العمق الاستراتيجي للكيان. إن استهداف قاعدة ميرون المركزية للتحكم الجوي والتي تغطي القطاع الشمالي بأكمله، إضافة إلى ضرب منظومة تل شمايم التجسسية المنطادية الأضخم في المنطقة، أدى إلى خلق فجوات رادارية قاتلة وغير مسبوقة. وهذه الثغرات الكبيرة مكنت أسراب المسيرات الانقضاضية والاستطلاعية من التحليق في سماء فلسطين المحتلة وكأنها فضاء مفتوح، مما جرد سلاح الجو الصهيوني من ميزة الإنذار المبكر ضد الأهداف منخفضة التحليق، وضرب الثقة المطلقة في قدرة الكيان على حماية أجوائه.
المحور الثاني: ثورة المسيَّرات وتحييد طبقات الدفاع الجوي وتفكيك أسطورة القبة
يعيش العدو اليوم حالة غير مسبوقة من العجز التكنولوجي أمام تكتيكات الإغراق النيراني المنسق، واستخدام المسيَّرات الانقضاضية التي أثبتت عملياً أن التكنولوجيا الغربية الباهظة يمكن هزيمتها واختراقها ببدائل ذكية، مرنة، وأقل كلفة بكثير.
* معادلة بيت هلل وما بعدها: يمثل نجاح المسيرات الانقضاضية في استهداف منصات القبة الحديدية نفسها في منطقة بيت هلل وغيرها منعطفاً تاريخياً وعسكرياً بالغ الأهمية؛ فالمدافع الذي كان يُفترض به حماية الأهداف الاستراتيجية والمستوطنات بات هو الهدف العاجز عن حماية نفسه. وهذا التحول التكتيكي الخطير وضع منظومة الدفاع الجوي الصهيونية في مأزق الاستنزاف الذاتي، حيث باتت القيادة العسكرية تتردد في نشر منصاتها خوفاً من تدميرها، مما يترك السماء مشرعة أمام ضربات المقاومة.
* الفشل الرقمي للاعتراض: تسجل التقارير العبرية، وفقاً لما ترشح من وسائل إعلام العدو وتصريحات خبرائه العسكريين، انخفاضاً حاداً ومقلقاً في كفاءة اعتراض المسيَّرات مقارنة بالصواريخ التقليدية. تشير بعض التقديرات العسكرية المستقلة إلى تدني نسبة النجاح لأقل من 35 % في بعض الهجمات المركبة التي تدمج بين الصواريخ والمسيَّرات. والسبب الجوهري يعود إلى قدرة هذه المسيَّرات على استخدام البصمة الرادارية المنخفضة جداً، واتباع مسارات تضاريسية معقدة مستفيدة من جغرافية الشمال، مما يعجز الرادارات عن ملاحقتها وتحديث إحداثياتها. هذا الفشل يحول كل صاروخ اعتراضي باهظ الثمن، والذي تكلف الطلقة الواحدة منه عشرات الآلاف من الدولارات، إلى مجرد طلقة طائشة في مواجهة هدف منخفض التكلفة، مما يخلق معادلة استنزاف اقتصادي وعسكري لا يمكن للكيان تحملها على المدى الطويل.
المحور الثالث: التهجير السيادي والنزيف الاقتصادي وتفكيك الجبهة الداخلية
لأول مرة منذ عقود طويلة وتحديداً منذ تأسيس الكيان، يجد الاحتلال نفسه مضطراً صاغراً لفرض منطقة عازلة ولكن داخل أراضيه المحتلة وليس في أراضي خصومه، وهو ما يمثل هزيمة سياسية واستراتيجية ونفسية عميقة تتجاوز بأشواط الخسائر العسكرية المباشرة.
* الحزام الأمني العكسي: تحول الجليل الأعلى والغربي إلى إقليم معزول ومفرغ من محتواه الديموغرافي؛ حيث تشير الإحصاءات المتداولة والمفتوحة إلى إخلاء قرابة 43 مستوطنة بالكامل، وتحويل مدن رئيسية وعصبية في الشمال مثل كريات شمونة إلى مدن أشباح مهجورة. هذا التهجير القسري لما يقدر بنحو 100 ألف مستوطن لم يسبق له مثيل، وقد خلق ضغطاً اجتماعياً وسياسياً هائلاً ومتصاعداً على حكومة الاحتلال. تحوّل هؤلاء المستوطنون الذين كان يُنظر إليهم كخط دفاع أمامي اليوم، إلى عبء داخلي، وباتت الحكومة تواجه اتهامات صريحة بالتفريط بالسيادة الوطنية وترك جبهة الشمال لمصيرها المجهول.
* الأرقام تتحدث وتنزف: لا يقتصر النزيف على الجانب الديموغرافي، بل يتعداه إلى كارثة اقتصادية محققة. تشير تقديرات الدوائر الاقتصادية والمصادر المفتوحة إلى خسائر فادحة قد تتجاوز 5 مليارات شيكل شهرياً نتيجة الشلل التام للقطاع الصناعي والزراعي والسياحي في الشمال. إن احتراق آلاف الدونمات من المحاصيل الزراعية الحيوية، وتوقف المصانع التكنولوجية الدقيقة عن العمل، ونقل خطوط الإنتاج، وضع الاقتصاد الصهيوني في حالة نزيف صامت ومستمر. وهذا الوضع المتردي دفع بوكالات التصنيف الائتماني العالمية إلى مراجعة نظرتها لاقتصاد الكيان، مما يهدد بمزيد من العزلة الاقتصادية وهروب الاستثمارات الأجنبية.
المحور الرابع: المأزق الاستراتيجي وسيناريوهات الانتحار العسكري
أمام هذا الانسداد العملياتي والسياسي، يجد قادة الاحتلال من سياسيين وعسكريين أنفسهم محاصرين بين خيارات معقدة وكارثية، في ظل تآكل مستمر لقوة الردع التي طالما تغنى بها الكيان.
* خيار الحرب البرية المفتوحة: تحذر التقديرات الاستخباراتية العسكرية، سواء الداخلية أو الصادرة عن حلفاء الكيان، من أن أي توغل بري واسع في جنوب لبنان سيكون بمثابة فخ استراتيجي وخطوة نحو الهاوية. فالمقاومة اليوم لا تمتلك فقط القدرة على إعماء العدو تكنولوجياً، بل تمتلك تفوقاً استخباراتياً ميدانياً استثنائياً، وشبكة معقدة من التحصينات، وترسانة متطورة من الصواريخ المضادة للدروع. هذا الاستعداد العالي يجعل من أحدث آليات العدو ودباباته مجرد أهداف سهلة ومقابر متحركة في الوديان والتضاريس اللبنانية القاسية، مما يذكر بهزائم سابقة ولكن بكلف بشرية وعسكرية مضاعفة أضعافاً كثيرة.
* خيار الاستمرار في الاستنزاف الحالي: وهو الخيار المر الذي تفرضه حقائق الميدان حالياً، ولكنه يعني القبول الضمني والمذل بخسارة منطقة الشمال تدريجياً. الاستمرار في هذا المسار يؤدي إلى تحول المستوطنات إلى مناطق عسكرية بحتة غير قابلة للحياة المدنية، مما يؤسس لهجرة عكسية دائمة للمستوطنين ليس فقط نحو وسط الكيان، بل نحو الخارج طلباً للأمان المطلق الذي لم يعد متوفراً. وهذا السيناريو بالذات يضرب جوهر وفلسفة المشروع الصهيوني في الصميم، والذي قام أساساً على فكرة توفير الملاذ الآمن.
الخلاصة :
إن جبهة لبنان اليوم لا تمارس دور الإسناد التكتيكي أو الضغط الجانبي فحسب، بل تقود بوعي واقتدار عملية هدم استراتيجي منهجي لبنية التفوق الصهيوني العسكري والنفسي، هذا العمى الصهيوني في الشمال يتكامل مع الحصار البحري الذي تفرضه اليمن، ليطبق فكي الكماش على المشروع الاستيطاني.
لقد أسقطت المقاومة هيبة التكنولوجيا الغربية بذكاء الميدان، وجعلت من العمى الاستخباري والعجز الدفاعي قدراً يلاحق قادة الاحتلال يومياً. وهذه الجبهة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن زمن العربدة الجوية المطلقة قد ولى إلى غير رجعة، وأن المبادرة الاستراتيجية والقرار النهائي اليوم هما بيد من يمتلك الأرض، والرؤية الثاقبة، والصبر الاستراتيجي، والقدرة الفائقة على مفاجأة العدو من حيث لا يحتسب وبأدوات لم يضعها في حسبانه.
