تمرّ الأمة الإسلامية اليوم بحالة ضياع عميقة، ليس سببها غياب الحق أو ضعف الإمكانات، بل نتيجة انحراف البوصلة، وتشويش الوعي، وتكثيف حملات التضليل التي تستهدف عقل الإنسان قبل مواقفه. هذا الواقع المأزوم يجعل الحاجة ماسّة إلى الرشد والحكمة، وإلى خطاب يعيد تعريف العدو، ويكشف أدواته، ويحصّن الأمة من السقوط في فخ اليأس والاستسلام. وفي هذا الإطار يبرز خطاب السيد القائد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي بوصفه خطابًا تشخيصيًا وتحليليًا يتجاوز ردّ الفعل الآني إلى تفكيك جذور الأزمة ومصادر الخلل.
لا يوجد أي مبرر عقلاني أو أخلاقي لاتخاذ موقف عدائي من الصرخة في وجه المستكبرين، لأن العدو واضح لا لبس فيه، وعدوانه ثابت بالشواهد والوقائع. فالعدو الذي يحتل الأرض، ويرتكب المجازر، ويدعم الإبادة، ويعمل على تمزيق الأمة ونهب ثرواتها، هو عدو ظالم مجرم، ولا يمكن تمييع هذه الحقيقة تحت أي ذريعة سياسية أو إعلامية. ومن هنا تأتي خطورة الخطاب الذي يسعى إلى تجريم الموقف الرافض للطغيان، لأنه لا يخدم إلا العدو نفسه، ولو لبس ثوب “العقلانية” أو “الواقعية”.
يركّز الأعداء، وفي مقدمتهم اليهود الصهاينة والموالون لهم، على زرع حالة اليأس والروح الانهزامية داخل الأمة، عبر الترويج لفكرة أن لا جدوى من الجهاد والمواجهة، وأن موازين القوة محسومة سلفًا. هذه الفكرة لا تُطرح عفويًا، بل تُدار ضمن حرب نفسية مدروسة، تُضخ عبر الإعلام والمنابر وبعض الخطابات الدينية المضلِّلة، بهدف شلّ إرادة الأمة وتجريدها من ثقتها بنفسها وبربها. وفي مواجهة هذا المسار يؤكد السيد القائد أن تحرك الأمة وفق تعاليم الله، والأخذ بأسباب النصر، كفيل بتحقيق وعد الله بالنصر، لأن الهزيمة ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة طبيعية للتخلّي والاستسلام.
تلعب الأنظمة الموالية لأمريكا وإسرائيل دورًا محوريًا في هذه الحرب الناعمة، حيث تعمل على تعظيم أي عمل عدواني يقوم به العدو، مهما كان محدودًا، وتقديمه كإنجاز استثنائي يرسّخ صورة التفوق المطلق، في مقابل التبخيس المتعمد لأي موقف مقاوم. هذه الهالة الإعلامية ليست وليدة الصدفة، بل جزء من مخطط يرمي إلى كسر الروح المعنوية للأمة، وإقناعها بأن المواجهة عبث، وأن لا خيار سوى الخضوع للأمر الواقع.
وفي هذا السياق، يلفت السيد القائد إلى أن الإعلام الموالي لأمريكا وإسرائيل يعمل بشكل منهجي على التوهين من أي موقف في التصدي للطغيان، والتقليل من شأن أي إنجاز أو انتصار مهما كان حجمه. وقد تجلّى ذلك بوضوح في تعاطي معظم وسائل الإعلام العربية مع انتصار المقاومة في لبنان عام 2000، حيث قوبل ذلك الحدث التاريخي بالتشويه والتبخيس، بدل قراءته بوصفه كسرًا لهيبة العدو وبداية لتحول استراتيجي في مسار الصراع.
ولم يقتصر التشويه على الإعلام، بل شاركت فيه قوى تكفيرية اتجهت إلى التشكيك في تلك الانتصارات، بهدف الحيلولة دون أن ترى الأمة عظمتها وأثرها في إحياء الأمل وتعزيز الثقة بإمكانية دحر العدو. ويشير السيد القائد إلى أن هذه القوى استمرت في النهج ذاته خلال حرب 2006، حيث جرى التبخيس والتشويه وإثارة الشبهات، حتى وصل الأمر إلى إصدار فتاوى تحرّم حتى الدعاء بالنصر للمقاومة، في سابقة تكشف حجم الانحراف والارتهان السياسي.
وعندما يحقق العدو بعض التقدم المحدود، المليء بالجرائم والطغيان، يُقدَّم ذلك في الخطاب الإعلامي وكأنه قضاء وقدر محتوم، وكأنه رسم المصير الأبدي للأمة. هذا المنطق يتجاهل سنن التاريخ وقوانين التداول، ويتناسى قوله تعالى: «وتلك الأيام نداولها بين الناس». فالأحداث مهما بدت قاسية أو دموية تبقى محدودة وزائلة، وعواقب الأمور بيد الله، ووعده بالنصر حق لا يتخلّف.
ويحذّر السيد القائد من قوى داخل الأمة اشتغلت كأبواق للصهيونية، تمارس دورًا مزدوجًا في الحرب النفسية وقلب الحقائق. هذه الأبواق تعمل على تقديم صورة زائفة عن الواقع، فتُضخّم خسائر المقاومة، وتُخفي إخفاقات العدو، وتسعى إلى تصوير الأمة وكأنها عاجزة وبائسة، حتى في اللحظات التي يعترف فيها العدو نفسه بالفشل، كما حدث في المواجهة البحرية ودور اليمن في إسناد غزة.
هذا الاتجاه الإعلامي يسعى إلى ترسيخ قناعة أن هزيمة الأمة أمر محتوم، وأن لا جدوى من أي موقف، ولا خيار سوى الاستسلام. وهو في جوهره يحارب أي حالة وعي أو موقف قوي، لأن بقاء الأمة في دائرة اليأس هو الضمانة الأساسية لاستمرار الهيمنة.
كما يشير السيد القائد إلى أن هذا الخطاب لا يستهدف جبهة بعينها، بل يعمل على تشويه الموقف في فلسطين ولبنان وإيران واليمن والعراق، وفي مختلف جبهات المواجهة، في محاولة لعزلها عن حاضنتها الشعبية وتجريدها من بعدها الأخلاقي والإنساني.
والأخطر في هذا المسار هو السعي إلى إيصال الأمة إلى حالة انعدام الكرامة الإنسانية، بحيث يصبح الاعتراض على الاستباحة موضع إدانة، ويُوجَّه اللوم لمن يردّ على العدوان لا لمن يرتكبه. فالإبادة بحق الشعب الفلسطيني تُقابَل بالصمت، بينما يُواجَه أي ردّ فعل عملي باللوم والتخوين، كما حدث في التعامل مع عملية طوفان الأقصى، التي كانت ردًا طبيعيًا على أكثر من سبعة عقود من الجرائم والطغيان الصهيوني.
ويؤكد السيد القائد أن استهداف حركات المقاومة، وعلى رأسها حماس وكتائب القسام، يهدف إلى منع أي رد فعل من الأمة وتجريم أي خيار عملي في مواجهة الطغيان الأمريكي والإسرائيلي، وصولًا إلى ترسيخ الولاء لليهود ومعاداة المؤمنين، في انقلاب خطير على القيم والمبادئ.
وفي مقابل هذا الواقع، يبرز المشروع القرآني بوصفه تحركًا أصيلًا، لا عبثيًا ولا طارئًا، يستجيب لنداء الله ويهتدي بكتابه الذي حدّد بوضوح طبيعة الأعداء. هذا الموقف ليس مستوردًا ولا تابعًا لأي جهة، بل نابع من صميم الإسلام وتعاليمه وقيمه، ويفرضه الواقع بقدر ما يفرضه النص.
وقد أثار إعلان الصرخة في وجه المستكبرين غضب الأنظمة العربية، ومن ضمنها نظام عفاش، الذي شنّ ست حروب على صعدة ومران في محاولة لإسكات الصرخة. غير أن تلك الحروب، ورغم ما حظيت به من دعم عربي وأمريكي وإسرائيلي، فشلت في تحقيق هدفها، بل تحوّلت الصرخة اليوم إلى موقف عالمي يعبّر عن وعي ورفض متنامٍ للهيمنة والطغيان.
ويؤكد السيد القائد أن اليهود هم العدو الأشد عداءً للأمة، كما يقرره القرآن وكما يثبته الواقع، فهم من بدأوا بالعدوان، واحتلوا فلسطين، ثم توسعوا في استهداف المنطقة بدعم أمريكي واضح، عبر الغزو المباشر والحرب الناعمة التي تستهدف الدين والهوية والقيم.
إن المعركة الأساسية التي تخوضها الأمة اليوم هي معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح. فإما أن تدرك حجم الاستهداف، وتحصّن نفسها من الاختراق، وتستعيد ثقتها بوعد الله، أو تُترك رهينة لخطاب اليأس والتضليل. إن الصرخة والموقف القرآني ليسا مجرد شعارات، بل تعبير عن وعي، واستعادة للكرامة، ورفض لأن تكون الأمة ضحية صامتة في معادلة الاستباحة.
