جغرافيا الردع.. اليمن وتحطم الاستراتيجيات البديلة لتصدير النفط السعودي

محمد علي اللوزي

 

لم يعد المشهد الجيوسياسي في شبه الجزيرة العربية كما كان عليه قبل عقد من الزمن، إذ شهدت المنطقة تحولات عميقة أعادت رسم موازين القوة، وغيرت طبيعة الفاعلين وأدوات التأثير. وفي قلب هذه التحولات تبرز اليمن بوصفها رقما صعبا في معادلة الردع الإقليمي، بعدما انتقلت من موقع الهشاشة إلى موقع الفاعلية، مستفيدة من تراكم الخبرات العسكرية، واتساع نطاق التأثير الجغرافي، وتبدل طبيعة الصراع من مواجهة تقليدية إلى حرب إرادات واستنزاف.

في المقابل، تجد المملكة العربية السعودية نفسها أمام تحد مركب، حيث لم تعد أدواتها التقليدية كافية لضمان أمنها الاستراتيجي أو حماية شرايينها الاقتصادية، وعلى رأسها صادرات النفط. ومن هنا برزت فكرة مد أنبوب نفطي عبر الأراضي اليمنية الشرقية، تحديدا عبر حضرموت والمهرة، وصولا إلى بحر العرب، كخيار بديل لتجاوز المخاطر المحتملة في مضيق هرمز. غير أن هذا الخيار، رغم ما يبدو عليه من منطق اقتصادي، يتجاهل تعقيدات الواقع السياسي والعسكري الجديد.

إن هذا المشروع لا يمكن قراءته بمعزل عن البيئة التي سيمر عبرها، وهي بيئة لم تعد رخوة أو قابلة للتطويع كما كانت تصور سابقا. فاليمن اليوم لم يعد مجرد ممر جغرافي، بل أصبح فاعلا سياديا يمتلك أدوات التعطيل والمنع، ويستند إلى معادلة ردع قادرة على استهداف العمق الاقتصادي لأي طرف يتجاهل إرادته. وعليه، فإن تحويل الأراضي اليمنية إلى ممر آمن لمشاريع استراتيجية كبرى دون توافق سياسي حقيقي، ليس سوى مغامرة محفوفة بالمخاطر، وقد تتحول إلى نقطة ضعف بدلامن أن تكون محرجاً للأزمات.

من جهة أخرى، فإن الرهان السعودي على التحالفات الخارجية، وعلى رأسها الشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية، لم يحقق الأمان المنشود. فقد أظهرت التجارب أن هذه التحالفات تحكمها المصالح المتغيرة، وأنها تميل إلى إدارة الأزمات لا حلها، بما يضمن استمرار تدفق الموارد وتعميق التبعية. إن الحماية التي تشترى بالمال لا تصمد أمام التحولات الكبرى، بل قد تتحول إلى عبء استراتيجي، خاصة عندما تتقاطع المصالح الدولية مع استقرار المنطقة.

لقد كشفت السنوات الأخيرة أن ما يُسمّى بمظلة حماية الحلف الابستيني الصهيو أمريكي لم يكن سوى إطار لإعادة توزيع النفوذ، وليس لضمان الأمن الحقيقي. فالقواعد العسكرية المنتشرة، وصفقات السلاح الضخمة، لم تمنع استهداف المنشآت الحيوية، ولم توفر ردعا حقيقيا بقدر ما كرست حالة من الاعتماد البنيوي على الخارج. وهذا ما يجعل أي استراتيجية قائمة على الالتفاف الجغرافي دون معالجة الجذور السياسية للصراع، استراتيجية ناقصة، إن لم تكن فاشلة.

وفي ظل هذا الانسداد، يبرز خيار وحيد يتسم بالعقلانية: إعادة صياغة العلاقة مع اليمن على أسس جديدة، تقوم على الاعتراف المتبادل بالمصالح، واحترام السيادة، والتخلي عن منطق الهيمنة. فاليمن ليس مجرد جار جغرافي، بل عمق استراتيجي لا يمكن تجاوزه أو القفز فوقه بمشاريع عابرة للحدود. إن استقرار السعودية يمر حتماً عبر استقرار اليمن، والعكس صحيح.

إن تبني سياسة صفر مشاكل في الإقليم لا ينبغي أن يكون شعارا إعلاميا وتهريجا سياسيا، بل مسارا عمليا يتطلب مراجعة شاملة للسياسات السابقة، والانفتاح على حلول سياسية حقيقية، بعيدا عن المناورات التكتيكية قصيرة الأمد. فاستمرار التوتر لا يخدم إلا القوى الخارجية التي تستثمر في الفوضى، وتعيد تدوير الأزمات بما يضمن بقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم.

وفي النهاية، تقف الرياض أمام مفترق طرق واضح.

إما أن تختار طريق التهدئة وبناء شراكات إقليمية متوازنة قائمة على حسن الجوار، أو تستمر في الرهان على تحالفات أثبتت محدوديتها، ومشاريع جغرافية قد تتحول إلى نقاط ضعف قاتلة.

إن جغرافيا الردع التي فرضها اليمن اليوم لا يمكن تجاوزها، بل يجب التعامل معها كحقيقة جديدة تستدعي التكيف لا المكابرة.

فالرهانات الكبرى لا تبنى على الخرائط وحدها، بل على فهم عميق لمعادلات القوة، واحترام إرادة الشعوب، وإدراك أن الأمن الحقيقي لا يستورد، بل يصنع عبر التفاهم والاستقرار المشترك. فهل تعير الرياض هذا المعنى في رسم سياسة جديدة قائمة على حسن الجوار وعدم التدخل في شئون الآخرين ومبنية على ثقة متبادلة قوية وعميقة؟! أم سنبقى في حالة ارتباك واشتغال على اللف والدوران الذي اثبت انهزامية أمام الوعي اليمني الرافض لسياسة الاستعلاء والهيمنة؟!

 

قد يعجبك ايضا