حين يُعاد تشكيل الانفجار بدلاً من إخماده

هاشم عبدالجليل جحاف

 

في عالمٍ يتقن تدوير أزماته بدل حلّها، لم تأتِ مفاوضات أبريل 2026 لتُطفئ الحريق، بل لتعيد هندسة مساره. لم تكن الطاولة ساحة تفاهم، بل غرفة عمليات لإدارة الخطر، حيث اجتمع خصوم يدركون أن استمرار الصدام لم يعد خياراً مجدياً، وأن التراجع الكامل ليس مطروحاً. هكذا وُلدت لحظة سياسية غامضة: لا هي سلام، ولا هي حرب، بل شيء ثالث أشد تعقيداً… تنظيم الاشتباك.

لم يكن أحدٌ في تلك القاعة ساذجاً ليؤمن بنوايا الآخر، لكن الجميع كان واقعياً بما يكفي ليخشى الانهيار. لقد فرضت الجغرافيا كلمتها، ليس عبر الخرائط، بل عبر الشرايين التي يمر منها النفط، والأسواق التي تختنق عند أول اضطراب، والداخل الهش الذي لم يعد يحتمل مغامرات مفتوحة.

حين يفرض الخوف منطقه

التحولات الكبرى لا تبدأ بالاقتناع، بل بالخوف. الخوف من الانفلات، من الانهيار، من لحظة لا يمكن التراجع بعدها. هذا الخوف هو الذي دفع الأطراف إلى الطاولة، لا بحثاً عن حلول، بل هرباً من كوارث باتت ملامحها أقرب من أي وقت مضى.

لقد أدركت القوى الكبرى أن اللعب عند حافة الهاوية لم يعد استعراض قوة، بل مقامرة خاسرة. كما أدركت القوى الإقليمية أن الاستنزاف المستمر لم يعد يحقق مكاسب، بل يفتح جبهات داخلية قد تكون أشد خطورة من أي تهديد خارجي.

اتفاق بلا توقيع.. وهدنة بلا ضمانات

ما جرى لم يكن اتفاقاً يُحتفى به، بل تفاهمٌ يُخشى اختلاله. إنه ترتيب هش يقوم على قاعدة واحدة: “لا أحد مستعد للحرب الآن… لكن الجميع مستعد لها لاحقاً”.

هذا التفاهم غير المعلن يرتكز على معادلة دقيقة: إبقاء المصالح الحيوية خارج دائرة الاستهداف، وعلى رأسها تدفقات الطاقة.

تحويل أدوات التصعيد إلى أوراق تفاوض بدلاً من استخدامها في الميدان.

ترسيم حدود غير مكتوبة للاشتباك، تُختبر أحياناً، لكنها نادراً ما تُكسر بالكامل.

إنه ليس سلاماً، بل “توازن رعب منخفض الحدة”، حيث يعيش الصراع في حالة كمون، قابلة للانفجار عند أي خلل في الحسابات.

إعادة برمجة الصراع

الخطأ الأكبر هو قراءة هذا المشهد كتهدئة. ما يحدث في الحقيقة هو تحديث شامل لقواعد اللعبة. لقد انتقل الصراع من المواجهة المباشرة إلى إدارة النفوذ، ومن الانفجار السريع إلى الاستنزاف الذكي، ومن الضربات الصاخبة إلى الضغوط الصامتة.

لم تعد المعركة تُخاض فقط بالصواريخ، بل بالعقوبات، بالاقتصاد، بالإعلام، وبإعادة تشكيل التحالفات. إنها حرب بطيئة، لكنها أعمق أثراً وأكثر تعقيداً.

هدوء ما قبل التحول.. لا ما قبل السلام

الهدوء الحالي ليس استقراراً، بل فراغاً بين موجتين. هو استراحة مقاتلين يدركون أن الجولة القادمة لن تكون كالسابق. كل طرف يعيد ترتيب أوراقه، يرمم نقاط ضعفه، ويختبر أدوات جديدة للضغط.

وهنا تكمن الخطورة: فالصراعات التي تُؤجل دون حل، لا تموت… بل تتطور.

الخاتمة: الصراع حين يتخفّى

التاريخ لا يُخدع بالهدوء، بل يقرأ ما خلفه. وما خلف هذا الهدوء ليس طمأنينة، بل توترٌ مُدار بعناية. لقد تم تركيب “صمام أمان” يمنع الانفجار الكبير، لكنه لا يعالج الشقوق العميقة التي قد تتسع في أي لحظة.

إننا لا نعيش نهاية أزمة، بل نعيش لحظة انتقالها إلى طور أكثر دهاءً.

 

 

 

قد يعجبك ايضا