الميدانُ يكتبُ خاتمةَ الأوهام

بشار الشعلاني

تتكشفُ ملامحُ المرحلةِ الراهنةِ عن حقيقةٍ سياسيةٍ واحدة، وهي أنَّ لغةَ الميدانِ باتت هي الناظمَ الوحيدَ لتحركاتِ الدبلوماسيةِ المتعثرة، فكلما حاولتِ القوى الاستعماريةُ، وعلى رأسِها الولاياتُ المتحدةُ، الالتفافَ على إخفاقاتِها العسكريةِ عبرَ طاولاتِ التفاوض، اصطدمتْ بصخرةِ الصمودِ التي أسقطتْ استراتيجيةَ “الإنهاك” التي راهنَ عليها العدوُّ طويلاً.
إنَّ القراءةَ الفاحصةَ للمشهدِ السياسيِّ، تؤكدُ أنَّ قوى الاستكبارِ تعيشُ حالةً من التخبطِ الاستراتيجي؛ فهي من جهةٍ تسعى لفرضِ معادلاتٍ سياسيةٍ تخدمُ الكيانَ الصهيوني، ومن جهةٍ أخرى تدركُ يقيناً أنَّ موازينَ القوى قد تغيرتْ جذرياً. هذا التناقضُ يظهرُ بوضوحٍ في السلوكِ الأمريكيِّ الذي يراوحُ بين التهديدِ الأجوفِ وطلبِ الوساطات، في محاولةٍ يائسةٍ لانتزاعِ مكاسبَ سياسيةٍ عجزتْ آلةُ الحربِ عن تحقيقِها في جبهاتِ المواجهةِ الممتدةِ من غزةَ إلى لبنانَ واليمن.
لقد انتقلتِ المنطقةُ من زمنِ الإملاءاتِ إلى زمنِ المبادرة، حيثُ لم تعدْ أنظمةُ التطبيعِ قادرةً على لعبِ دورِ “المحللِ” للمشاريعِ التصفويةِ للقضيةِ الفلسطينية، بعد أن أثبتتْ قوى المقاومةِ قدرتَها على شلِّ حركةِ العدوِ وإرباكِ حساباتِهِ الكبرى. إنَّ ما يجري اليومَ ليس مجردَ صراعٍ عسكريٍ عابر، بل هو معركةُ كسرِ إراداتٍ ترفضُ فيها شعوبُ المنطقةِ العودةَ إلى مربعاتِ الهيمنةِ والوصاية.
ختاماً، إنَّ أيَّ مسارٍ سياسيٍّ لا ينطلقُ من الاعترافِ بالحقائقِ الجديدةِ التي فرضها المقاتلُ في الميدان، هو مسارٌ محكومٌ بالفشل. فالكلمةُ اليومَ هي للدماءِ الطاهرةِ والبنادقِ اليقظة، وهي وحدَها الكفيلةُ برسمِ حدودِ السيادةِ وصناعةِ النصرِ التاريخي الذي يلوحُ في الأفق، بعيداً عن أوهامِ التهدئةِ الزائفةِ والمناوراتِ الدبلوماسيةِ المكشوفة.

قد يعجبك ايضا