من قلب المحنة التي تعصف بالأمة وفي غمرة الليالي العشر الأواخر التي يُرجى فيها الفرقان بين الحق والباطل، برز مشهد غريبٌ تقشعر منه الأبدان وتتوه فيه البصائر، حيث رأينا فئة من الناس قد انمحت من عقولهم أبجديات الولاء والبراء، وانعكست في نفوسهم معايير العداوة والصداقة، فأصبحوا ينظرون إلى القوى الصامدة في وجه الطغيان والجبروت الصهيوني والأمريكي بعين الشك والريبة والعداء، بينما يفتحون قلوبهم وعقولهم لمن أذاقوا الأمة الويلات، معتبرين قوى الهيمنة حلفاء أو أصدقاء تحت ستار من التضليل الإعلامي الذي زرعه الصهاينة في الوجدان الجمعي، وهذا الانحراف الخطير ليس مجرد خطأ سياسي أو سوء تقدير عابر، بل هو في جوهره صورة مصغرة وجزء لا يتجزأ من فتنة الدجال التي حذر منها الأنبياء جميعاً، فالدجال في حقيقته هو رمز لقلب الحقائق وتزييف الوعي، حيث يأتي معه جنة هي في الحقيقة نار، ونار هي في الحقيقة جنة ، وما نشهده اليوم من تلميع لصورة العدو الصهيوني القاتل وتصويره كدولة متحضرة وصديقة، في مقابل شيطنة القوى المناهضة له -كما يحدث في محاولات تشويه صورة إيران والمقاومة، هو عين التزييف الدجالي الذي يجعل الناس يطلبون النجاة في حضن القاتل ويخشون -بلا مبرر- المدافع عن الكرامة..
إن هؤلاء الذين فتنوا بروايات الأعداء حتى باتوا يستنصرون بأمريكا وإسرائيل لضرب قوى إسلامية، قد وقعوا في فخ الوهن وحب الدنيا ورهبة القوة المادية التي يمثلها نظام الهيمنة العالمي، وهو النظام الذي يمهد الطريق لفتنة الدجال الكبرى عبر غسل الأدمغة وتحويل العدو إلى وليّ، والوليّ إلى عدو، متناسين الوعيد الرباني القاطع في قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، فالتولي ليس بالضرورة أن يكون اعتناقا لدينهم، بل هو مودة في القلوب، وركون في المواقف، وخشية من قوتهم فوق خشية الله، وتقديم لمصالحهم على مصالح الأمة.. إن الربط بين هذه الحالة الذهنية المنبطحة وبين أحاديث الفتن يكشف لنا أن المسيح الدجال لا يظهر فجأة من فراغ، بل يسبقه دجاجلةً يمهدون له عبر إماتة الروح الإيمانية التي تميز بين الخبيث والطيب، فإذا كان الناس اليوم يصفقون لمن يقصف ديار المسلمين ويحاصر الأطفال لمجرد اختلاف مذهبي أو تضليل سياسي، فكيف سيكون حالهم حين يأتي الدجال الأكبر ومعه خزائن الأرض؟ إن المعركة اليوم هي معركة وعي بامتياز، فمن لم يستطع أن يبصر دموية الصهيونية ودمار الهيمنة الأمريكية في واقعنا المشهود، كيف له أن يعي ويدرك خطورة فتنة الدجال؟ إن الواجب يحتم علينا أن نجدد العهد مع الله على أن يكون ولاؤنا للمؤمنين الصامدين في وجه الاستكبار، وعداؤنا لكل من استحل دماءنا واغتصب أرضنا، وأن ندرك أن كل صوت يشجع العدو على ضرب أي قوة تقف في وجهه هو صوت يخرج من بوق الدجال، فالحق أبلج والباطل لجلج، ولا يجتمع حب الله مع حب أعداء دينه في قلب واحد، ولتكن هذه الأحداث صرخة تنبيه لكل غافل ليعيد بوصلته نحو القدس ونحو كل من يدعم قضيتها، بعيداً عن أوهام السلام الزائف والتحالفات المشبوهة التي تريد لنا أن نكون عبيدا في منظومة الدجال العالمية التي تحارب كل نفس تأبى الخضوع لغير الله.
قال تعالى: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَـٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.[سورة المجادلة: 22].
