الثورة نت/..
يترقب العالم الترتيبات الخاصة للمرحلة الانتقالية في قطاع غزة، خاصة بعد الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وذلك وسط حالة من الغموض والتشكيك في النوايا الحقيقية للولايات المتحدة الأمريكية، وللعدو الإسرائيلي الذي يستمر جيشه في ارتكاب خروقات يومية للاتفاق.
وتستند الترتيبات المقبلة في غزة على خطة اتفاق وقف إطلاق النار المكونة من 20 بندا لإنهاء جريمة الإبادة الصهيونية التي ما يزال العدو الإسرائيلي يواصل ارتكابها ضد أهالي القطاع، ولو بطرق مختلفة.
ووفقاً للخطة فإن الإدارة المؤقتة لقطاع غزة ستُدار عبر 3 كيانات رئيسية هي: مجلس السلام، ولجنة تكنوقراط فلسطينية، وقوة استقرار دولية.
غموض يفرض حالة ترقب وحذر
يشير المحلل السياسي أسامة المغير في تصريح لوكالة الأناضول إلى أن المرحلة الثانية من الاتفاق، بما تحمله من تشكيلات سياسية وإدارية لإدارة غزة، لا يزال يحيطها قدر كبير من الغموض، ما يفرض حالة من الترقب والحذر في الأوساط الفلسطينية.
كل ذلك يأتي في لحظة ما زال فيها قطاع غزة يعيش تحت الركام، ويُدفن شهدائه بلا أسماء، ويُحاصر أهله بالجوع والخذلان الدولي. وفجأة يتم تشكيل “لجنة تكنوقراط” لإدارة الحياة اليومية في غزة، وكأن جوهر المأساة يكمن في سوء الإدارة لا في استمرار الاحتلال والعدوان الصهيوني.
هذا الانتقال السريع من لغة القصف إلى لغة الإعمار، ومن مشهد الإبادة إلى حديث اللجان والخطط، يشي بمحاولة سياسية محكمة لإعادة تعريف الصراع، لا لإنهائه؛ تحويله من قضية تحرر وحق وطني إلى ملف خدماتي قابل للتدوير والاحتواء، وتبدو الصورة أوضح إذا ما تم وضعها في خانة الجهود الخبيثة الرامية لتصفية القضية الفلسطينية.
تفريغ السياسة وتحميل الضحية
تاريخياً.. لم تكن مثل هذه الترتيبات بريئة، ولا محايدة، ولا منفصلة عن مشاريع كبرى لإعادة هندسة الجغرافيا والوعي معا، من أوسلو إلى “السلام الاقتصادي”، ومن الحكم الذاتي إلى “إدارة المعاناة”، يتكرر النموذج ذاته: تفريغ السياسة من محتواها، وتحميل الضحية عبء التكيف مع نتائج الجريمة.
من هنا، لا يمكن تناول تعيين علي شعث رئيساً للجنة التكنوقراط لإدارة غزة بوصفه حدثًا إداريًا معزولا، بل يجب وضعه ضمن سياق أوسع: صراع على مستقبل غزة، وعلى تعريف ما بعد الحرب، وعلى حدود ما هو إنساني وما هو سياسي. فالسؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه ليس من يدير الركام؟، بل هل يراد للإعمار أن يكون مدخلا للحياة.. أم أداة جديدة لتصفية القضية الفلسطينية؟
برز اسم المهندس الفلسطيني علي شعث كأحد العناوين المركزية في المشهد الغزي، عقب تكليفه برئاسة لجنة التكنوقراط الفلسطينية المكلفة بإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الدمار الواسع الذي خلفته جريمة الإبادة الإسرائيلية الممتدة بين عامي 2023 و2025، وما تزال مستمرة ولكن بأوجه أخرى. ويأتي هذا التكليف في لحظة سياسية وإنسانية شديدة التعقيد، تتداخل فيها ترتيبات ما بعد الحرب مع مشاريع دولية وإقليمية لإعادة صياغة إدارة القطاع ومستقيله.
جاء الإعلان عن اللجنة متزامنا مع تأكيد المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، نيابة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدء المرحلة الثانية من خطة غزة المكونة من 20 نقطة، والتي تنص على الانتقال من وقف إطلاق النار إلى ترتيبات أوسع تشمل نزع السلاح وتشكيل إدارة فلسطينية انتقالية، بالتوازي مع إطلاق مشاريع إعادة إعمار شاملة.
وأوضح ويتكوف أن الإدارة الجديدة ستعمل تحت مسمى “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، مؤكدًا أن نجاحها مرهون بالترام حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وبقية الأطراف الفلسطينية ببنود الاتفاق، ومحذراً من عواقب خطيرة في حال الإخلال بالتفاهمات. وهو هنا يحمّل الضحية عبء الجريمة الصهيونية، في وقت أشاد ويتكوف بالدور الذي تلعبه مصر وقطر وتركيا في مسار الوساطة والتهدئة.
ترحيب فلسطيني
على الصعيد الفلسطيني، أعلنت قوى وفصائل عدة، وفي مقدمتها حركة حماس ترحيبها بتشكيل اللجنة، معتبرة إياها خطوة عملية لتخفيف المعاناة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها سكان القطاع، شريطة التزام العدو الإسرائيلي بتنفيذ استحقاقات الاتفاق كاملة، وفي مقدمتها فتح المعابر، وإدخال المساعدات واستكمال الانسحاب العسكري.
وأكدت “حماس” استعدادها للتعاون مع اللجنة لإنجاح مهامها، مع استمرار الوسطاء لمنع العدو الصهيوني من التنصل من التزاماته، في ظل تواصل القصف والاغتيالات وعرقلة تنفيذ بنود الاتفاق.
يأتي هذا التطور في ظل كارثة إنسانية غير مسبوقة، خلفها العدوان الإسرائيلي، وأدت إلى أكثر من 71 ألف شهيد ونحو 171 ألف جريح، إضافة إلى تدمير ما يقارب 90% من البنية التحتية المدنية في قطاع غزة، ما يجعل من نجاح الإدارة الانتقالية اختباراً مصيريًا، ليس فقط لمستقبل القطاع، بل لطبيعة الحل السياسي المطروح برمته.
في الوقت ذاته شددت مصر وقطر وتركيا في بيان مشترك على ضرورة التزام جميع الأطراف بتنفيذ الاتفاق بالكامل، وصولاً إلى تهدئة مستدامة، وتعافٍ مبكر، وإطلاق عملية إعادة إعمار شاملة.
حل إداري فقط
تعيين علي شعث رئيساً للجنة الوطنية لإدارة غزة يعكس توجهاً دوليًا وإقليميًا للبحث عن “حل إداري” لغزة يقوم على شخصيات مهنية غير حزبية، قادرة على إدارة الإعمار وضبط المرحلة الانتقالية بأقل قدر من الصدام السياسي. غير أن هذا الخيار، رغم وجاهته التقنية، يصطدم بتحديين جوهريين: أولهما استمرار العدو الإسرائيلي في التحكم بالمفاصل السيادية والمعابر والقضاء الأمن، وثانيهما محاولة توظيف الإدارة الانتقالية كمدخل لإعادة هندسة الواقع السياسي في غزة تحت عناوين “نزع السلاح” و”الاستقرار”.
ورغم الطابع الإداري الذي تُقدم به لجنة التكنوقراط لإدارة غزة، إلا أن السياق السياسي الذي نشأت فيه يكشف أهدافًا أعمق، يمكن تلخيصها في الآتي:
1. فصل غزة عن الجغرافيا الفلسطينية الجامعة:
يجري التعامل مع القطاع ككيان مستقل، معزول عن الضفة الغربية وأراضي 1948، في خطوة تمهد عمليا لإنهاء أي تصور لوحدة الأرض والقضية، وتحويل غزة إلى كيان إداري منفصل قابل لإعادة الهندسة السياسية والاقتصادية.
2. تحويل القضية الوطنية إلى ملف خدماتي:
تغييب الفصائل، والسلطة الفلسطينية، وكل الأطر السياسية، يعيد إنتاج منطق “أوسلو” ولكن بصيغة أشد خطورة: إدارة بلدية موسعة تحت الاحتلال بلا سيادة، وبلا مشروع تحرر.
3. الإعلان غير المباشر عن نهاية السلطة الفلسطينية:
تشكيل لجنة التكنوقراط الحالية، التي ستكون تابعة لـ”مجلس السلام” الذي يتزعمه الرئيس ترامب شخصياً، واختار بنفسه اعضائه، يعني إعلان فشل السلطة الفلسطينية، وإنهاء عمرها الافتراضي، وتأكيد عدم أهليتها لحكم أي جزء من فلسطين، فاليوم رفع يدها كلياً عن قطاع غزة، وغداً عن الضفة الغربية رسمياً، وقرار الكنيست جاهز للتطبيق.
4. تهيئة الأرضية لنزع سلاح المقاومة:
تبرير كل الخطوات الإسرائيلية لنزع سلاح المقاومة الفلسطينية وخاصة “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، وجلب قوات دولية للقيام بهذه المهمة، وإعلان انتهاء دور المقاومة تماماً مثلما يحدث حالياً في لبنان، وهذا ليس غريباً فالمعلم واحد، أي ويتكوف، فهذه اللجنة التكنوقراطية ستكون إدارية بحته، وليس لها أي علاقة بالأمن أو السياسة، فالدكتور شعث رئيسها المُعيّن أمريكياً قال بالحرف الواحد في أول مقابلة صحافية معه وذلك لراديو بسمة في رام الله: “أولويتنا تأمين المسكن وظروف المعيشة الكريمين لأبناء القطاع بالتوازي مع بدء تأهيل البنية التحتية في القطاع ثم إعادة الإعمار”.
وفي هذا الإطار يقول المحلل السياسي، الدكتور سمير أبو مدللة، في مقال نشره المركز الفلسطيني للإعلام، “إن الحديث عن إعمار منفصل عن رفع الحصار والسيادة على المعابر والموارد والتحكم بالحركة التجارية، يصبح حديثاً مضللاً. فإعادة بناء ما يسمح الكيان الإسرائيلية ببنائه، وتحت رقابته، لا تمثل إعماراً، بل إعادة إنتاج للحصار بلغة إنسانية ناعمة، وتحويل الدمار إلى حالة دائمة مُدارة دولياً”.
ويضيف أبو مدللة: “في المحصلة، لا تقف لجنة التكنوقراط أمام مهمة تقنية أو إدارية، بل أمام مواجهة سياسية – اقتصادية شاملة. إما أن تتحول إلى أداة إنقاذ حقيقية تفتح مسار التحرر الاقتصادي، أو أن تُختزل إلى واجهة ناعمة لإدارة الهزيمة تحت مسمى الإعمار. فغزة لا تحتاج إلى إدارة بقاء، بل إلى مشروع وطني يعيد تعريف الإعمار كحق”.
موقف حماس.. بين التكتيك والضرورة
ترحيب قيادة حركة “حماس” بالانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق غزة، لا يعكس تبنياً للمشروع الأمريكي، بل يأتي في إطار؛ كسب الوقت وتهدئة الجبهة، وتخفيف المعاناة الإنسانية، ونقل عبء التعطيل إلى جانب العدو الإسرائيلي. وهو سلوك تكتيكي يندرج ضمن إدارة الصراع، لا التخلي عن ثوابته، في ظل إدراك عميق بعدم موثوقية أي تعهد أمريكي.
وفي ذلك يلفت المحلل السياسي أسامة المغير، إلى أن الفصائل الفلسطينية تبدي انفتاحا نسبيا على المشهد السياسي الجديد، باعتباره يشكل مخرجا من مرحلة الحرب والإبادة، ونقطة نهاية للمرحلة الأولى من الاتفاق، التي لم تفِ بالاحتياجات الأساسية للفلسطينيين.
تدمير البنى السياسية المقاومة
التاريخ القريب يؤكد أن الكيان الصهيوني لم يلتزم يوماً باتفاقات وقف إطلاق النار، وغالبا ما يستخدم ذرائع جاهزة للتنصل، أبرزها: نزع سلاح المقاومة، تعرض قواته للاستهداف، وافتعال وقائع ميدانية جديدة.
وعليه، فإن المرحلة الثانية من الاتفاق مرشحة للتعطيل، إن لم تفرغ من مضمونها بالكامل.
وبالنظر لخطة اتفاق وقف إطلاق النار حالياً، فإن غزة، وفق الخطة، ليست كيانا وطنيًا مقاوماً، بل مساحة يُراد تدجينها وفصلها وتحويلها إلى عبء إداري منزوع الدسم السياسي، وذلك يُعدّ خطوة مهمة من أجل تصفية القضية الفلسطينية.
كما أن الوقائع تؤكد أن كيان العدو الإسرائيلي لا يلتزم باتفاق، لكن كل محاولات كسر المقاومة فشلت وستفشل، لأن جوهر القوة لا يكمن في السلاح وحده، بل في الوعي والهوية والإرادة.
غزة لا تحتاج إلى “إدارة معاناة” ولا إلى “ريفيرا ترامب”، بل إلى إنهاء الاحتلال واستعادة موقعها الطبيعي في قلب المشروع الوطني الفلسطيني، ولن تتمكن أي جهة من تصفية القضية مهما فعلت.
