في حروب اليوم، نجد أن المعركة الحاسمة تُدار رحاها داخلَ العقول، وتُحسَم في وعي المجتمعات.. فأخطر ما في الاستراتيجيات الحديثة للعدو هو العمل المنهجي على اختراق الجبهة الداخلية عبر استقطاب العملاء، وتوظيف التضليل الإعلامي، وُصُـولًا إلى تفكيك المجتمع من الداخل، بأدوات ناعمة أقل كلفة وأكثر أثرًا.
القوة العسكرية لا تكفي لردع الأعداء؛ لأن القوى المتغطرسة إذَا ما وجدت كلفة الحرب المباشرة أعلى من نتائجها؛ نظرًا لامتلاك الطرف الآخر قوة ردع فعّالة، فإنها لا تتراجع عن أهدافها، بل تغيّر أدواتها.
ومن الأمثلة على ذلك، عندما وجدت أمريكا وكَيان الاحتلال نفسَيهما عاجزتَين أمام توازن الردع العسكري الذي فرضته إيران بترسانتها الصاروخية وقدراتها العسكرية الجبّارة وموقعها الجيوسياسي، إضافة إلى امتلاك جيشها عقيدة قتالية تستند إلى قيم راسخة لا ترهبها أية تهديدات؛ أدركت أن اختراق الجبهة الداخلية أسهل من اختراق الحدود، وأن تفجير المجتمعات من الداخل أقل كلفة من مواجهة الجيوش، فعملت على تجنيد العملاء، وتحريك الاحتجاجات، وتوظيف التضليل الإعلامي، في محاولة لإضعاف الدولة من الداخل، أَو إسقاطها دون طلقة واحدة.
كيف يُصنع العميل؟
لا يُصنع العميل، في الغالب، دفعةً واحدة، ولا يبدأ الطريق بالخيانة الصريحة.
التجارب والوقائع تؤكّـد أن الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية تعتمد التدرّج الذكي في الاستقطاب؛ تبدأ العملية بتحديد نقاط الضعف: حاجة مالية، طموح شخصي، أزمة نفسية، شعور بالظلم، أَو رغبة في الظهور.
بعدها يُقدَّم “الدعم” تحت عناوين بريئة: مساعدة إنسانية، منحة، تدريب، فرصة إعلامية، أَو علاقة مهنية.
في فلسطين، اعترف ضُباط إسرائيليون باستخدام تصاريح العمل والعلاج كوسيلة ضَغط وتجنيد.
وفي بلادنا، وجدنا من خلال شبكات التجسُّس التي كشفتها الأجهزة الأمنية -وكان آخرها الشبكة التي ضبطت في عملية “ومكر أُولئك هو يبور”- أن بعض العملاء جرى استقطابهم عبر عقود عمل في المملكة السعوديّة، فيما تم استقطاب آخرين عبر منظمات دولية ومراكز أبحاث، حَيثُ يتم استخدام “النشاط الحقوقي” كغطاء لجمع المعلومات، أَو تمرير الروايات، أَو التأثير في الرأي العام.
الإعلام أخطر الأسلحة الناعمة
نجد أن أمريكا قد بَرَعت في تجنيد النخب (صحفيين، أكاديميين، وناشطين)، لا ليكونوا جواسيسَ تقليديين، بل صُنّاع خِطاب يدافعون عن السياسات الأمريكية بوصفها “حلولًا واقعية”، بينما هي في حقيقتها امتداد لمشاريع الهيمنة.
فبالتزامن مع تجنيد الجواسيس الذين يجمعون المعلومات، يشكّل الإعلام المضلل أحد أخطر أسلحة العدوّ؛ فقبل أي عدوان أَو تدخل، تُشن حرب نفسية منظمة، تعتمد على الفبركة، وقلب الحقائق، والتلاعب بالمصطلحات.
فعلى المستوى الأمني يُعاد تعريف الجريمة على أنها “دفاع عن النفس”، وتُقدَّم الجريمة المنظمة كمقاومة، وفي المقابل يتم وصف التحَرّكات والإنجازات الأمنية بالانتهاكات.
كما يتم العمل بكثافة على تشويه كُـلّ ما يصدر عن الحكومة، ومن ذلك تُضخَّم الأخطاء الفردية لتصويرها دليلًا على فشل كُـلّ مؤسّسات الدولة.
فمنصات التواصل الاجتماعي، والقنوات الناطقة بالعربية، ومراكز التفكير، تُستخدم كأدوات لبث الشك، وضرب الثقة، وإرباك الوعي.
وقد أثبتت تجارب اليمن، وإيران، ولبنان، أن التضليل الإعلامي كان دائمًا التمهيد الضروري للعدوان العسكري، فإذا ما بدأ العدوان فهو أَيْـضًا السلاح الرديف للصاروخ والطائرة.
الجبهة الداخلية.. الهدف الأخطر
الهدف النهائي لهذه الأدوات ليس إسقاط موقع أَو مؤسّسة، بل كسر الجبهة الداخلية؛ فعندما يفقد المجتمع ثقته بنفسه، وتختلط عليه الحقائق، يصبح هشًّا، قابلًا للاختراق، حتى دون وجود عميل مباشر.
تحصين الجبهة الداخلية يبدأ أولًا بـ التوعية الأمنية، وكشف أساليب الاستقطاب والتجنيد بلغة واضحة وواقعية، بعيدًا عن التخوين أَو التهويل.
كما يتطلب بناء إعلام وطني مهني، سريع، وقادر على شرح السياق، لا الاكتفاء بردّ الفعل.
إلى جانب ذلك، فإن تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسّسات، ومعالجة القضايا الداخلية بشفافية، يُغلق الثغرات التي ينفذ منها العدوّ، ويُسقط رهانه على الفوضى.
الخلاصة: المعركة اليوم هي معركة وعي بامتيَاز؛ والشعب الذي ينجح في تحصين وعيه يحمي وطنه ويُفشل أخطر مخطّطات العدوّ قبل أن تتحول إلى واقع.
وباختصار شديد (أوبه من مخطّطات الأعداء.
