فرسان الرداء الأبيض يكسرون عزلة »أطفال التوحد« ويحاصرون »الطيف«

بمبادرات وطنية تملأ فراغ العجز الهيكلي وتواجه عواصف الوصمة الاجتماعية

 

 

تحت شعار «الفهم قبل الدعم»، وفي خطوة تجسد أرقى صور التكافل الاجتماعي لمواجهة سياسات الإهمال الصحي، انطلقت فعاليات المخيم الطبي التشخيصي الأول لأطفال التوحد في أمانة العاصمة صنعاء، برعاية وزارة الصحة والبيئة وبالشراكة بين مؤسسة بنيان التنموية ومركز «ابني» للتوحد.
يأتي هذا الحراك الإنساني في وقت كشفت فيه التقارير الصحية العالمية عن تحول «طيف التوحد» إلى واحد من أكثر الاضطرابات النمائية انتشاراً، مما يضع المجتمعات أمام تحدٍ إنساني يستوجب تضافر الجهود لكسر جدار العزلة حول هذه الفئة.

الثورة/ يحيى الربيعي

اضطراب طيف التوحد
«الثورة»، حضرت المخيم، وأجرت استطلاعاً موسعاً حول المخيم وأهدافه، وفي مستهل هذا الاستطلاع، أكدت الأستاذة لمياء شجاع الدين، المدير الفني لمركز «ابني»، أن اضطراب طيف التوحد هو حالة عصبية ونمائية تظهر في الطفولة المبكرة (قبل عمر سنتين غالباً)، تؤثر على كيفية إدراك الشخص وتفاعله مع الآخرين، مما يسبب صعوبات في التواصل الاجتماعي وسلوكيات نمطية مكررة. لا يعتبر مرضاً يُشفى منه بل طريقة عمل مختلفة للدماغ، ويختلف من شخص لآخر. مؤكدة أن التدخل المبكر والعلاجات السلوكية يساعد في تحسين مهاراتهم الحياتية، وتؤثر بشكل مباشر على قدرات التواصل والتفاعل الاجتماعي؛ مشيرة إلى أن وصفه بـ «الطيف» يعود لتباين شدة أعراضه واحتياجاته من طفل لآخر، ونافية في الوقت ذاته المفاهيم المغلوطة التي تربطه بالعدوى أو بأساليب التربية، بل هو حالة تتطلب «الفهم والتشخيص المبكر» كحجر أساس لتمكين الطفل من استقلاليته وحقه في العيش بكرامة.
ومن جانبه، أوضح الدكتور محمد الأمين الكمالي، استشاري المخ والأعصاب، أن المخيم يمثل استجابة نوعية للقصور الشديد في الخدمات المقدمة لهذه الفئة، حيث يتميز بتجميع تخصصات متعددة تشمل أعصاب الأطفال، التغذية، والعلاج الطبيعي، لتقديم دائرة مكتملة من الخدمات. وحذر الدكتور الكمالي من «الوصمة الاجتماعية»، مؤكداً أن التشخيص المبكر قبل سن السنتين يمنح فرصة ذهبية للتدخل، ومشيراً إلى مبادرته بتقديم (15) عملية تخطيط مخ مجانية للحالات المعسرة لضمان عدم بقاء أي طفل خلف قضبان العجز المالي.
فرسان الرداء الأبيض
وفي سياق السردية الإخبارية التي رصدت آراء الكوادر الميدانية المتطوعة، تداخلت العزيمة المهنية بالروح المقاومة؛ لا سيما في ظل واقع صحي مثقل بالتحديات، تبرز مبادرات التطوع الطبي كبصيص أمل يحاول ردم الفجوة المعرفية والعلاجية تجاه فئات طالما عانت من التهميش، وعلى رأسها أطفال اضطراب طيف التوحد؛ وفي الاستطلاع كانت له وقفات مع نخبة من الكوادر الطبية المتطوعة، والذين عبروا عن حراك إنساني تدفعه الرغبة في «خدمة المجتمع وتقديم المساعدة لمن يحتاجها». مؤكدين أن هذا الاندفاع يعكس إدراكاً عميقاً لخطورة الجهل المجتمعي بالسلوكيات المرتبطة بهذا الاضطراب، وما قد يترتب عليه من قرارات أسرية خاطئة تؤذي الطفل بدلاً من مساعدته.
وفي سياق يكشف عن تكاتف هذه الجهود، أكد المتطوع الطبيب. عبد الخالق مرشد جواد إبراهيم (طب بشري)، أن ما دفعه للتطوع في مبادرة الكوادر الطبية هو حب العمل الإنساني ولاسيما العمل الطوعي في تقديم التشخيص الأولي لأطفال التوحد، وتقديم نصائح إرشادية تساعد في تحسين الحالات، وهو ذات المسار الذي سلكه الطبيب هايل خالد محمد يوسف حضرمي (طب عام)، الذي يرى في التطوع حباً للعمل وخدمة للمجتمع عبر تقديم المساعدة الإرشادية اللازمة. ومن جانبه، أشار الطبيب. عزام محمد سيف خالد الإدريسي (طب بشري) إلى أن دافعه يكمن في اكتساب الخبرة الطبية وتوجيه أهل المريض للتعامل الصحيح مع أطفالهم، مع التركيز على توعية المجتمع بشأن كيفية التعامل مع حالات اضطراب التوحد والتوعية بأهمية دمجهم في الحياة اليومية.
وبينما تتزايد الحاجة للتشخيص المبكر، شدد الطبيب. شاكر حامد علي عبده المقرمي (طب عام) على أهمية المساعدة في العلاج وتوجيه الحالات إلى الأطباء الأخصائيين والاستشاريين، في حين ركزت الطبيبة. خلود عبد الله محمد عوبل (طب عام) على ضرورة «التخفيف من معاناة الأسر» وتوعيتهم بمخاطر إهمال الأطفال وتعريضهم المفرط للشاشات والأجهزة الإلكترونية. وفي هذا الصدد، يرى الطبيب. علي أحمد أحمد الولي (طب عام) أن هذه الفئة تعاني من «جهل مجتمعي» بالسلوكيات الخاصة بها، مما يحتم اكتشاف الحالات مبكراً وتحويلها للمراكز المتخصصة.
وعلى ضفة أخرى من التحليل النقدي للواقع، لفت الطبيب. حسين إبراهيم محمد عطوي (طب بشري) الانتباه إلى أن القطاع الصحي يفتقر إلى أقل المقومات والمراكز المتخصصة، منتقداً «عدم تركيز بعض الأطباء على أعراض طيف التوحد». وبدوره، أكد الطبيب. عبد الله محمد حسن صلح (طب عام وجراحة) أن تطوعه يهدف لاكتساب مهارة التعامل مع هذه الحالات والمساهمة في «التشخيص التفريقي» وإحالة الحالات لأصحاب الاختصاص.
وفي السياق ذاته، أكدت الطبيبة. ملاك حسين قطابش (طب بشري) أنها تطوعت في المخيم بهدف الإسهام في الاكتشاف المبكر للحالات المرضية كونه العامل الأساسي في تحسن وتطور حالة الأطفال وأيضا من اجل اكتساب خبرة ميدانية في تقييم صحة الأطفال، انطلاقاً من أن تخصصها في الطب البشري يساهم في تقديم دوراً أساسياً في التقييم المبكر لحالات اضطراب طيف التوحد، والتمييز بينه وبين حالات الاضطرابات الأخرى، ولتأكيد أن الطبيب غالباً ما يكون هو المرجع الأول للآباء والأمهات في تشجيع حالات اطفالهم. مؤكدة أنها تود التطوع في مجالات أخرى، لا سيما في المبادرات الصحية والتوعوية وبرامج الفحص المبكر، والمشاركة في الأنشطة التي تعزز من صحة المجتمع وتقدم المساعدة للفئات الأكثر احتياجاً.
ولم تقتصر جهود المتطوعين على الجانب الطبي الصرف، بل شملت البعد النفسي؛ حيث أكدت الطبيبة. ولاء وليد العطاب، المتخصصة في علم النفس والإرشاد الأسري، على أهمية تقديم المساعدة للأهالي، فيما أشارت الطبيبة. هديل إسماعيل مثني (تغذية علاجية) إلى أن نشر الوعي وحب الخير هما المحركان الأساسيان لتقديم خدمات مناسبة. كما ركز الطبيب. حيدره حمود حيدره، أخصائي التغذية العلاجية، على ضرورة إجراء القياسات الجسمانية للمرضى وتقديم حيمات غذائية مناسبة وتوعية المجتمع ولاسيما أطفال المدارس وتغذية الأهالي بأساليب التغذية المناسبة لتحقيق النمو السليم.
واختتمت الطبيبة. رغد محمد حسن خالد إسماعيل (طب بشري) السردية بالتأكيد على أن الدافع الإنساني والرغبة في «تخفيف المعاناة»، معلنة استعدادها للتطوع في مبادرات مخيمات رعاية صحة الأم والطفل وعقد جلسات تثقيفية للأمهات عن الحمل والرضاعة والتطعيم، وإقامة ورش عن الإسعافات الأولية والفحص مجاني للضغط والسكر.
وبالروح التطوعية ذاتها، أكد الطبيب. حماس عبد الرب محمد المقدشي (طب بشري)، إيمانه بأن «التدخل المبكر» يحسن جودة حياة الأطفال، معلناً استعداده للتطوع في مجالات أوسع تشمل حملات التوعية بأضرار التدخين والشيشة بين الشباب ومكافحة الأمراض المزمنة والسرطانات والتهابات الكبد، مشدداً على أن هذه الجهود تجسد ملحمة مهنية تحاول انتشال الواقع الصحي من براثن الإهمال.

قد يعجبك ايضا