د.محمد الضوراني
تتجلى أهمية الجمعيات الزراعية كمسار تنموي مستدام في كونها الحلقة الأقوى التي تربط بين الموارد الطبيعية والجهود البشرية لتحقيق نهضة شاملة في الجانبين النباتي والحيواني، وهي الرؤية التي تتبناها القيادة الثورية والسياسية كخيار استراتيجي لمواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة. إن هذا الاهتمام القيادي ينبع من إيمان عميق بأن التنمية الحقيقية تبدأ من تمكين المجتمع وإشراكه في إدارة موارده، حيث لم تعد الجمعيات مجرد كيانات خدمية بسيطة، بل أصبحت في ظل التوجهات السياسية الحديثة مؤسسات رائدة تقود معركة التحرر الاقتصادي والوصول إلى الاكتفاء الذاتي من خلال تحويل القرى إلى وحدات إنتاجية فاعلة.
ومن هذا المنطلق، يظهر الارتباط الوثيق بين المجتمع والجمعيات كعلاقة عضوية تضمن استدامة المشاريع المجتمعية، حيث تعمل هذه الجمعيات على توحيد تطلعات المزارعين والمربين وتوجيهها نحو إنتاجية عالية الجودة تتوافق مع النماذج العالمية الناجحة، مثل تلك التجارب التي حولت مجتمعات ريفية في الهند وهولندا إلى قوى اقتصادية عالمية بفضل العمل التعاوني المنظم الذي يدمج بين تكنولوجيا الزراعة وبين العناية بالثروة الحيوانية. إن المسار التنموي الدائم الذي تسعى إليه القيادة يتجاوز الدعم المادي المؤقت ليشمل بناء وعي مجتمعياً يدرك أهمية التكامل البيئي، مما يخلق اقتصاداً دائرياً يغذي نفسه بنفسه ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويضمن بقاء الثروة داخل المحيط المجتمعي المنتج.
إن النهوض بهذه الجمعيات وتطوير أدائها يمثل أولوية قصوى في المشاريع المجتمعية الكبرى، حيث يتم التركيز على تحويلها إلى مراكز تدريبية وتسويقية متطورة تخدم المنتج والمستهلك على حد سواء، وتعمل كمنصة لتنفيذ السياسات الوطنية الرامية إلى النهوض بالقطاع الزراعي. ويأتي هذا الاهتمام الرسمي كدعامة أساسية لحماية المزارع البسيط من تقلبات السوق وتوفير البيئة الخصبة للإبداع في مجالي المحاصيل والثروة الحيوانية، مما يجعل من هذه الجمعيات قاطرة تعبر بالمجتمع نحو مستقبل يتسم بالأمن الغذائي والكرامة الاقتصادية، مؤكدة أن تكاتف المجتمع خلف رؤية قيادته عبر هذه المؤسسات التعاونية هو السبيل الوحيد لتحقيق تنمية مستدامة تلمس أثرها كل الأجيال وتصنع من الأرض سلاحاً للبناء والصمود.
