انخفاض سعر الذهب.. تصحيح عنيف أم انحناءة مؤقتة أمام سطوة الدولار؟

 

الثورة  /يحيى الربيعي
في تحول دراماتيكي قلب موازين الأسواق الجمعة الماضية، شهد المعدن الأصفر هزة أرضية عنيفة هوت بأسعاره بأكثر من 8%، ليتراجع من قممه التاريخية الشاهقة ويستقر عند حدود 5,087.99 دولاراً للأوقية، بعد أن لامس في لحظات من «الذعر البيعي» مستويات 4,957.54 دولاراً. هذا السقوط الحر، الذي لم يسلم منه «ذهب الفقراء» (الفضة) بتراجعها الحاد بنسبة 17 %، جاء مدفوعاً بضربة استباقية من البيت الأبيض؛ حيث أشعل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الاتحادي شرارة الاندفاع نحو الدولار، مما أجبر المستثمرين على الدخول في موجة «جني أرباح» هستيرية.
الدولار يستعيد «أنيابه»
إن ما حدث يوم الجمعة لم يكن تراجعاً تقنياً، ولكنه اصطدام مباشر بين طموحات الذهب في التحرر وبين محاولات الإدارة الأمريكية إعادة الثقة للأصول السيادية. وكما يشير المحلل دميتري أوريخوف، المدير العام لوكالة «إن كيه آر»، فإن السوق دخلت مرحلة تصحيح حتمي بعد أن بلغت الأسعار مستوى تاريخياً غير مسبوق عند 5,625.89 دولاراً. هذا الهبوط بنسبة 5.7 % في المعاملات الفورية يعكس إعادة تقييم فورية للمخاطر؛ فقوة الدولار الحالية، المدعومة بتوقعات الاستقرار النقدي في ظل القيادة الجديدة للفيدرالي، بدأت بسحب البساط من تحت أقدام المضاربين الذين دفعوا الذهب إلى مستويات «التشبع الشرائي».
جني الأرباح يطال الجميع
لم تكن الفضة أوفر حظاً، إذ تهاوت بحدة لتصل إلى 95.79 دولاراً للأوقية، في إشارة واضحة إلى أن «علاوة المخاطر» التي تضخمت في الأشهر الأخيرة بدأت تنكمش مع أول بادرة لثبات السياسة النقدية الأمريكية. وبحسب تقارير «رويترز»، فإن هذا التراجع العنيف يأتي بعد سلسلة أرقام قياسية، مما جعل المراكز الاستثمارية هشة أمام أي أنباء تعزز من جاذبية «العملة الخضراء». ومع ذلك، يظل المعدن النفيس صامداً من الناحية الهيكلية، حيث لا يزال في طريقه لتسجيل أقوى مكاسب شهرية له منذ عقود (1982 أو 1999م حسب تباين المؤشرات)، مما يؤكد أن الاتجاه الصعودي العام لم ينكسر بعد، بل «تنفس» الصعداء في هبوط اضطراري.
الذهب بين «صدمة كوفيد» والواقع الجديد
بينما كان صعود عامي 2020-2021م مرتبطاً بـ «صدمة كوفيد»، وتضخم 2022 – 2023م بمشكلات سلاسل الإمداد، يرى الخبراء أن موجة الصعود الحالية التي نعيشها في 2025 – 2026م هي «إعادة تقييم هيكلية» وليست مجرد رد فعل ذعري. إن مستويات الدين العالمي الفلكية والشكوك حول هيمنة الدولار طويلة الأجل تمنع الذهب من الانهيار الكامل؛ فالتراجع الحالي، رغم قسوته، يظل ضمن إطار «التصحيح الصحي» لسوق صعدت بسرعة نيزكية.
إن «الجمعة السوداء» قد تكون قد أطاحت ببعض المكاسب السريعة، لكنها وضعت الأسواق أمام حقيقة واحدة: الذهب هو الميزان الذي يقيس مدى هشاشة النظام المالي العالمي في وجه قرارات البيت الأبيض.
الذهب في اليمن وتقلبات السبت
لم تكن تحديثات أسعار الذهب السبت الماضي سوى فصل جديد من فصول العبث الاقتصادي الذي يضرب اليمن. فبينما تراجعت الأسعار طفيفاً في عدن وصنعاء مقارنة بالخميس الماضي، إلا أن هذا التراجع لا يعكس استقراراً بقدر ما يعكس حالة من الارتباك الشديد وفقدان البوصلة في أسواق الصرف والمعدن الأصفر، حيث تظل الأسعار عند مستويات «فلكية» لا يقوى المواطن على مجاراتها.
رغم تسجيل هبوط نسبي في أسعار البيع، إلا أن الفجوة تظل عميقة، والمؤشرات السياسية تؤكد أننا أمام هدوء ما قبل العاصفة. ففي صنعاء: سجل الجنيه الذهب تراجعاً إلى 610 آلاف ريال (بيع)، لكنه يظل رقماً مرعباً مقارنة بالقدرة الشرائية المتآكلة. هذا «التصحيح السعري» الطفيف ليس إلا نتيجة لجمود حركة الشراء بعد الصدمة الماضية، وليس نتيجة سياسات نقدية ناجعة.
أما في عدن، فرغم تراجع سعر الجنيه إلى مليون و819 ألف ريال، إلا أن التذبذب بين الشراء والبيع يؤكد أن «هوامير المال» هم من يحركون الخيوط، مستغلين غياب الرقابة الحقيقية من البنك المركزي في عدن، الذي بات دوره مجرد «مراقب» لانهيار العملة والمعدن.
إن بقاء سعر الجرام (عيار 21) في عدن عند 238 ألف ريال، مقابل 78 ألف ريال في صنعاء، هو الإدانة الأكبر لسياسة «التمزيق النقدي». فهذا الفارق دليل على أن المواطن في المناطق الواقعة تحت سلطة حكومة عدن الموالية لتحالف العدوان يدفع ضريبة «الفشل الإداري» والارتهان لسياسات خارجية لا تضع استقرار المعيشة في أولوياتها. إن اختلاف الأسعار من محل لآخر، كما تشير التحديثات، يثبت أن السوق اليمني أصبح غابة للمضاربين، حيث يغيب القانون ويحضر الجشع، وسط صمت مريب من الجهات المعنية التي اكتفت بدور «المشاهد» في مسرحية إفقار الشعب.

قد يعجبك ايضا