الجنوب بين احتلالين.. المواطن هو الضحية .. حين يتحول صراع الرياض وأبوظبي إلى حرب مصالح وأطماع

 

تدخل المحافظات اليمنية الجنوبية والشرقية المحتلة مرحلة أكثر خطورة، مع انتقال الصراع السعودي–الإماراتي من إدارة الخلافات خلف الكواليس، إلى المواجهة العلنية على الأرض، في مشهد يؤكد أن ما يسمى بـ“التحالف” لم يكن يومًا سوى شراكة مؤقتة على الاحتلال والنهب، سرعان ما تفككت حين تضاربت المصالح، وبات كل طرف يسعى للاستئثار بالقرار والثروة، ولو على حساب استقرار المحافظات اليمنية المحتلة ومعيشة سكانها.

الثورة / مصطفى المنتصر

الخطوات السعودية الأخيرة في عدن، وعلى رأسها طرد مليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي وإغلاق مقراته، عمقت الفجوة ورفعت حدة الصراع إلى مستويات أوسع يمكن لها ان تعصف دون هوادة ما يضع حياة ومستقبل المواطنين في خطر مظلم يضاعف من حدة المعاناة ويشغل فتيل الأزمات المتعاقبة.
صراع احتلالين لا خلافًا داخليًا
ما يجري في عدن وبقية المحافظات الجنوبية المحتلة لا يمكن توصيفه كخلاف بين مليشيات محلية، بل هو صراع مباشر بين قوتي احتلال، استخدمتا الأدوات المحلية كوقود لمعركتهما، ثم تخلتا عنها حين انتهى دورها أو خرجت عن السيطرة.
فالإمارات، التي أنشأت ومولت وسلحت مليشيات الانتقالي، دفعتها إلى واجهة المشهد، ورسخت الانقسام، وفتحت الباب للفوضى، قبل أن تتركها في مواجهة مصيرها حين تغيرت الحسابات. وفي المقابل، تتحرك السعودية اليوم لإقصاء تلك الأدوات، لا دفاعًا عن السيادة أو الدولة، بل لتكريس احتلال مباشر، وإدارة الجنوب كملف أمني واقتصادي تابع لها بالكامل.
وبين هذا وذاك، يظهر بوضوح أن طرفي الاحتلال يتحملان المسؤولية الكاملة عما آلت إليه الأوضاع، من انهيار أمني، وتمزيق اجتماعي، وانسداد أفق السلام والحرية في المحافظات اليمنية الجنوبية والشرقية المحتلة.
عدن نموذج الفشل المزدوج
تحت السيطرة السعودية المباشرة، لم تشهد عدن أي تحسن يذكر، بل تفاقمت الأزمات، وتحولت المدينة إلى نموذج صارخ لفشل الاحتلال في إدارة المناطق التي يسيطر عليها فلا خدمات، ولا كهرباء، ولا استقرار اقتصادي، ولا مؤسسات فاعلة، بل فوضى عارمة تدار من غرف خارجية، وعبر مندوبين ساميين يفرضون على المواطنين كأمر واقع.
هذا الواقع يفضح زيف الادعاءات السعودية حول “تصحيح المسار”، ويؤكد أن المشكلة لم تكن في أدوات الإمارات فقط، بل في مشروع الاحتلال ذاته، الذي لا يرى في الجنوب سوى مساحة نفوذ، وممرات استراتيجية، وموارد قابلة للنهب، دون أي اعتبار للإنسان.
الانتقالي.. أداة احترقت ومأزق مستمر
رغم محاولات السعودية تحجيم المجلس الانتقالي، إلا أن هذا الكيان، الذي صنع إماراتيًا، لا يزال يمثل عقدة معقدة، ليس لأنه يمتلك مشروعًا حقيقيًا، بل لأنه نتاج سنوات من التسليح والتحريض والانقسام، ما جعله قادرًا على التخريب والتصعيد، حتى وهو في موقع التراجع.
وفي المقابل، يضع هذا التحول أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة امام مفترق طرق يمكن لها ان تضاعف من حدة المعاناة التي يتجرعها أبناء تلك المناطق في ظل استمرار سياسة الاحتقان والتوتر التي يمكن لها ان تنفجر في اي لحظة وتتسبب في أعباء كارثية على حياة ومعيشة المواطنين.
إدارة بالقوة.. واحتقار لإرادة السكان
تكشف سياسات الطرفين أن الجنوب يدار بعقلية الغلبة، لا بمنطق الحلول، وأن كل المكونات المحلية ليست سوى واجهات قابلة للاستبدال. فلا السعودية معنية بتمكين حقيقي، ولا الإمارات معنية باستقرار دائم، بل كلاهما يتعامل مع الجنوب كغنيمة مؤقتة، تدار بالفوضى، ويضبط إيقاعها بالقوة.
وهنا، يصبح المواطن الجنوبي الضحية الأولى والأخيرة، يدفع ثمن صراع لا ناقة له فيه ولا جمل، بينما تسحق مطالبه تحت أقدام الاحتلال وأدواته.
صراع مرتقب من أجل السيطرة والنهب
إن ما تشهده المحافظات الجنوبية والشرقية ليس صراعًا على “تمثيل الجنوب”، بل صراع احتلالين على السيطرة والنهب، تتحمل دول الاحتلال السعودي الإماراتي مسؤوليته الكاملة، سياسيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا. وكل محاولة لتجميل المشهد أو تحميل طرف ضد آخر وحده المسؤولية، ليست سوى هروب من الحقيقة.
و تشهد مدينة عدن والمحافظات الجنوبية تصعيداً ميدانياً وإعلامياً لافتاً، حيث أفادت تقارير برصد دعوات من قيادات في المجلس الانتقالي للاستعداد لمواجهة مسلحة ضد القوات السعودية يأتي هذا التوتر في ظل غموض يلف مصير رئيس المجلس “عيدروس الزبيدي”، وبدء تحركات من مليشيات محلية لرفض الأوامر العسكرية السعودية، تزامناً مع إجراءات تقييدية اتخذتها الرياض شملت إغلاق مقرات تابعة للانتقالي وحظر أنشطته في منطقة التواهي، ويرى مراقبون أن هذا المشهد ينذر بإعادة رسم خارطة التحالفات في المناطق الجنوبية نتيجة تضارب الأجندات الإقليمية.”
وفي ظل استمرار هذا النهج، سيبقى الجنوب المحتل ساحة مفتوحة للصراع، وبيئة طاردة للاستقرار، مهما تبدلت الوجوه وتغيرت المسميات.

قد يعجبك ايضا