كتاب “غزة.. حرب استعمارية” يكشف الجرائم الاسرائيلية ويوثق الانتهاكات المتواصلة

خليل المعلمي

 

تندرج الكتابات الصادرة حديثاً حول غزة ضمن سياق فكري ومعرفي استثنائي، فرضته طبيعة الحرب نفسها، ليس فقط بوصفها حدثا عسكريا بل باعتبارها لحظة كاشفة لبنية استعمارية ممتدة عبر الزمن، طالما جرى تطبيعها أو إخفاؤها خلف خطاب سياسي وإعلامي مهيمن.
تكتسب الأعمال التي تحاول تحرير الأصوات الفلسطينية، أو تلك المتضامنة معها من التهميش والإقصاء، أهمية خاصة، لاسيما حين تسعى إلى تفكيك الآليات الاستعمارية الصهيونية المتشكلة تاريخيا بدعم مباشر أو غير مباشر من أغلب دول العالم الغربي.
ضمن هذا الأفق تأتي هذه القراءة في الكتاب الجماعي الصادر حديثا في باريس بعنوان “غزة.. حرب استعمارية” عن منشورات “أكت سود”، في 320 صفحة من القطع الكبير بإشراف “فيرونيك بونتان” و”ستيفاني لاتيه عبد الله”.
وهذا الكتاب لا يقدم نفسه بوصفه مجرد توثيق أني للحرب الجارية، بل كمحاولة لتقديم مجهودات فكرية جماعية موضوعية، لإعادة قراءة وتقديم ما يحدث في غزة ضمن سياقه التاريخي والسياسي والاستعماري الأوسع.
بنية الاستعمار
شارك في هذا العمل سبعة عشر باحثا وباحثة من تخصصات مختلفة واعتمدوا على تنوع واسع في المصادر والمقاربات، ضمن منهجية متعددة الحقول تشمل التاريخ والقانون الدولي، والعلوم السياسية، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والاقتصاد الأصليين. السياسي.
ويكشف هذا التنوع المنهجي عن طموح واضح لتجاوز القراءات الاختزالية، سواء تلك التي تحصر ما يجري في غزة في بعده العسكري، أو التي تفصله عن سياقه البنيوي طويل الأمد.
ويبرز الهدف المعلن للكتاب في مسارين متكاملين: أولا، توثيق حرب لا تزال مستمرة، بكل ما يرافق ذلك من صعوبات معرفية وأخلاقية وثانيا، تزويد جمهور واسع من القراء بأدوات تحليلية لفهم مستوى العنف الحالي وآلياته، واستمراريته، ضمن سيرورة تاريخية متواصلة لا يمكن اختزالها في لحظة واحدة.
طرفين غير متكافئين
تتمحور الأطروحة المركزية للكتاب حول تفكيك ورفض السردية السائدة التي تقدم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بوصفه مواجهة بين طرفين متكافئين. ففي مقابل هذا التصور الذي يهيمن على الخطاب الإعلامي والدبلوماسي الغربي، يشدّد الكتاب على أن ما يجري هو علاقة غير متكافئة في جوهرها، تقوم على الهيمنة والسيطرة وتندرج ضمن سيرورة استعمارية طويلة الأمد. ومن هذا المنطلق، ينتقد الكتاب، بل يفضح الفكرة الشائعة القائلة إن كل شيء بدأ في السابع من أكتوبر 2023، مؤكدًا أن هذا التاريخ، على أهميته، لا يمكن أن يكون نقطة بداية تفسيرية للصراع.
فبالرغم من أن هجوم حماس مثل لحظة مفصلية فارقة، فإن الإطار التحليلي الذي يقترحه الكتاب ينطلق من معطيات تاريخية أعمق ومعاناة متراكمة، يتم من خلالها فهم ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، من مصادرة الأراضي، ونزع الحقوق، والتحكم في حركة السكان إلى الحصار والقصف بوصفها عمليات هيمنة بنيوية مستمرة منذ عقود. وبهذا المعنى، لا يقرأ العنف الحالي بوصفه انفجارا مفاجئا، بل باعتباره حلقة ضمن سلسلة متواصلة من العنف الاستعماري.
في هذا السياق يعتمد الكتاب على مفهوم الاستعمار الاستيطاني، أو ما يسميه بعض الباحثين استعمار نزع الملكية والطرد. وهو نمط من الاستعمار لا يهدف فقط إلى استغلال الأرض ومواردها، بل إلى الاستقرار الدائم فيها، وفرض السيادة عليها، وإحلال مجموعات سكانية وافدة محل السكان.
ويؤكد الكتاب أن هذه الجماعات الوافدة لا يربطها أي رابط تاريخي أو ثقافي أو جغرافي بفلسطين، وان مشروعها يقوم في جوهره على الإقصاء والإزالة، ومن هنا تتبلور الفكرة النظرية الأساسية التي يدافع عنها العمل، ومفادها أن الاستعمار ليس حدثا منتهيا في الماضي، بل بنية مستمرة تسمح بفهم منطق التهجير، والإقصاء والتدمير، بوصفه عملية دائمة تتكيف مع السياقات المختلفة.
ولا يقتصر التحليل على البعد المادي للعنف، بل يولي الكتاب اهتماما خاصا لما يسميه العنف المعرفي (الإبستيمي). فالماساة الفلسطينية، كما يبين المؤلف لا تتمثل فقط في الدمار والقتل، بل أيضا في الطريقة التي تقصى بها الأصوات الفلسطينية من المجال العام، أو يعاد إنتاجها في قوالب نمطية ضيقة، مثل “الإرهابي”، أو “مثير الشغب”، أو “الضحية الإنسانية” المنزوعة السياسة.
ويساهم هذا الاختزال في نزع إنسانية الفلسطينيين، وتحويلهم إلى موضوعات صامتة بدل أن يكونوا فاعلين تاريخيين. وفي هذا الإطار يقدم السابع من أكتوبر بوصفه حدثا فاصلا، لكنه في الوقت ذاته ينتقد بوصفه نقطة مرجعية إعلامية اختزالية، تستخدم لمحو تاريخ طويل من الحصار والقتل والقصف. إذ تنتج هذه المرجعية سردية “عنف غير مسبوق”، تتجاهل الاستمرارية البنيوية للعنف الاستعماري، وتفصل الحدث عن سياقه التاريخي. وعلى العكس من ذلك.
يسعى الكتاب إلى إعادة التاريخ، ورفض تجريم السياق، وفهم الكيفية التي تتداخل بها القطيعة مع الاستمرارية في تاريخ الصراع.
تفكيك مفهوم الإبادة
يتضمن الكتاب عرضًا تفصيليا للوقائع الإنسانية للحرب، واصفا الحملة العسكرية الإسرائيلية بأنها مدمرة على نحو شامل، خلفت أعدادا هائلة من القتلى والجرحى، وأدت إلى تهجير جماعي لسكان يتجاوز عددهم مليوني إنسان.
كما يسلط الضوء على التدمير الواسع للبنى التحتية الأساسية، من مساكن ومستشفيات، ومدارس، وشبكات مياه وكهرباء. ولا يغفل النص التطرق إلى المجاعة، ونقص الغذاء والدواء والمواد الأساسية، بوصفها أدوات مدمجة في إستراتيجية الحرب، لا مجرد نتائج جانبية لها.
كما يذكر الكتاب بهشاشة اتفاقات وقف إطلاق النار، وباستئناف القصف المتكرر، واضعا الحرب في سياق إقليمي أوسع يشمل فلسطين التاريخية والمجتمعات المجاورة، ولاسيما لبنان بما يؤكد أن ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن ديناميكيات إقليمية أشمل، وأن الصراع يتجاوز حدود القطاع الجغرافية. وعلى المستوى المفاهيمي والقانوني يناقش الكتاب الجدل الدائر حول استخدام مصطلحي “الاستعمار” والإبادة الجماعية”. ويبين أن المساهمين يتمتعون بحرية اختيار أدواتهم المفاهيمية، في حين تؤكد مقدمة الكتاب اعتماد إطار القانون الدولي، عبر تتبع تطور المؤسسات الدولية منذ عام 1945، وصولا إلى محكمة الجنايات الدولية.
ويستحضر النص قرار محكمة العدل الدولية الذي أشار إلى “خطر معقول بوقوع إبادة جماعية، وحدد إجراءات وقائية، مع التشديد على أن هذه الإجراءات لم تنفذ بفاعلية، ما يضع الحرب في قلب نزاع قانوني وسياسي عالمي مفتوح.
ويستعرض الكتاب الخلفية الفكرية لاستخدام النموذج الاستعماري في تحليل الحالة الفلسطينية – الإسرائيلية بدءًا من جهود باحثين فلسطينيين بعد عام 1948 لتوثيق النكبة، مرورا بالنقاشات الفكرية في فرنسا خلال ستينات القرن العشرين، وصولا إلى مرحلة ما بعد اتفاقيات أوسلو، حين سادت قراءة “أفقية” للصراع بوصفه نزاعًا بين قوميتين متكافئتين. ومع فشل أوسلو واندلاع الانتفاضة الثانية، عاد نموذج الاستعمار الاستيطاني بقوة منذ أواخر التسعينات مترافقا مع تراجع الأمل في حل الدولتين، ومع مقارنات بحالات استعمارية أخرى، مثل الولايات المتحدة، وأستراليا، وكندا.
وتحتل فكرة “النكبة المستمرة” موقعًا محوريًا في الكتاب، إذ لا تفهم نكبة 1948 كحدث منته، بل كعملية تاريخية متواصلة تتخذ أشكالا متعددة في الأراضي المحتلة وداخل الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل، وفي مخيمات اللاجئين، وفي الشتات.
ويُقدم هذا المفهوم بوصفه أداة تحليلية لفهم الاستمرارية دون الوقوع في تبسيط الواقع أو اختزاله مع مراعاة خصوصيات المرحلة الراهنة، بما في ذلك تداخل الاستعمار مع العولمة، والاقتصاد النيو ليبرالي، وتقنيات المراقبة وإدارة الحدود.
ويعرف الكتاب نفسه أيضا بوصفه تاريخا للزمن الحاضر، أي تاريخا يكتب في لحظة تشكله، وهو ما يفرض تحديات معرفية وأخلاقية كبيرة ولمواجهة هذه الصعوبات، يعتمد المشاركون على تعدد المقاييس والتخصصات، مسلطين الضوء على رهانات معرفية وسياسية وجيوسياسية وأنثروبولوجية وقانونية، بما يسمح بتقديم صورة مركبة للصراع.
وفي الختام يخلص الكتاب إلى أن مواقف الدول الغربية وبقية دول العالم بما في ذلك بعض الدول العربية، من القضية الفلسطينية لن تحدد مصير هذا الصراع فحسب، بل ستسهم أيضا في رسم ملامح النظام الدولي القادم: إما نظام يقوم على احترام القانون الدولي وحقوق الشعوب، أو عالم تحكمه القوة والعنف ومنطق الإفلات من العقاب.

قد يعجبك ايضا