الثورة /يحيى الربيعي
لم تكن الوحدة اليمنية في الوعي الاستراتيجي السعودي يوماً منجزاً يستحق الاحتفاء، بل مثلت منذ لحظاتها الأولى في عام 1990م تحدياً جيوسياسياً استوجب التحرك لوأده، وهو ما تجلى بوضوح في دعم الرياض لمحاولة الانفصال الفاشلة في صيف 1994م، ليعيد التاريخ نفسه اليوم بصورة أكثر حدة تحت غطاء «التحالف»، حيث لم تأتِ الطائرات لترميم تصدعات الوطن، بل لرسم حدود التجزئة ببارود الأطماع. وفي قلب هذه المشهدية المتفجرة، تبرز محافظة المهرة، البوابة الشرقية الهادئة، كضحية لمخطط سعودي قديم-جديد يهدف إلى تحويل الجغرافيا اليمنية إلى مجرد ممر آمن لتدفق النفط، بعيداً عن «بعبع» مضيق هرمز الذي تخشى الرياض بقاءه تحت رحمة المتغيرات الإقليمية.
وتبرز التحركات السعودية في المحافظات الجنوبية والشرقية كدليل دامغ على رغبة المملكة في هندسة انفصال «على مقاسها الخاص»، يضمن لها الهيمنة المطلقة على ممرات الطاقة والمنافذ البحرية، ولا سيما في محافظة المهرة التي تتعرض لعملية قضم سيادي مستمر، حيث يرى مراقبون سياسيون أن الرياض تسعى لإنشاء كيانات هشة تدين لها بالولاء المطلق، وتعمل كحائط صد يؤمن حدودها الجنوبية دون الحاجة للتعامل مع دولة يمنية موحدة وقوية تشكل رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية، وهو ما يفسر حرصها على إبقاء حالة «لا سلم ولا حرب» التي تنهك الجسد اليمني وتجعله قابلاً للتشظي عند أول منعطف سياسي تفرضه الأجندات الدولية.
وتكشف التقارير الميدانية والتحقيقات الصحفية عن تحول ميناء «نشطون» التاريخي ومطار «الغيضة» المدني إلى ثكنات عسكرية مغلقة تكتظ بالقوات السعودية، في خطوة وصفتها مراكز أبحاث بأنها «عسكرة ممنهجة» لمحافظة ظلت بعيدة عن نيران الحرب المباشرة. هذه التحركات العسكرية، التي تزامنت مع وصول سفن شحن محملة بالمعدات الثقيلة والآليات إلى ساحل المهرة، لم تكن سوى مقدمة لوجستية لفرض «اتفاقية أنبوب النفط» التي تسعى الرياض لانتزاع توقيع «المرتزقة» عليها، وهو المشروع الذي يمتد من منطقة «الخرخير» السعودية وصولاً إلى بحر العرب، ضارباً عرض الحائط بكل مفاهيم السيادة الوطنية.
وفي دهاليز الصراع المحموم على الجغرافيا اليمنية، مارست الرياض دور «عرّاب الوحدة» ببراعة تكتيكية، لم تكن تهدف لترميم كيان الدولة، بقدر ما كانت تسعى لتقليم أظافر الحليف اللدود في أبوظبي، حيث استغلت السعودية غطاء «اتفاق الرياض» والشرعية المتهالكة لتفكيك مراكز القوى التي أسستها الإمارات في الجنوب، رافعةً شعار «وحدة التراب» كذريعة لإخراج الفصائل الموالية للإمارات من المشهد السيادي، وهو ما وثقته تقارير مراكز الدراسات الدولية التي رأت في إنشاء قوات «درع الوطن» السعودية البديل العسكري المباشر لإزاحة النفوذ الإماراتي وإحلال هيمنة سعودية مطلقة تحت لافتة المؤسسات الرسمية.
حضرموت في قبضة «الدروع» السعودية
وسرعان ما انتقلت الرياض، بخطوات مدروسة، من مرحلة التخفي خلف شعارات «دعم الشرعية» المزعومة إلى مرحلة التأسيس الفعلي لكيان منفصل في حضرموت، حيث مثّل إنشاء قوات «درع الوطن» في مطلع العام 2023م نقطة التحول في استراتيجية الهيمنة السعودية، فهذه القوات التي أُسست بتمويل وإشراف مباشر من الاستخبارات السعودية لتكون الأداة العسكرية الضاربة التي تزيح النفوذ الإماراتي وتفرض واقعاً جديداً يعزل حضرموت كلياً عن محيطها الوطني اليمني، محولةً المحافظة الأكبر مساحة في البلاد إلى «إقطاعية سعودية» مغلقة تضمن للرياض السيطرة المطلقة على منابع النفط والغاز.
وتكشف التحركات الميدانية المتسارعة عن براعة سعودية في استخدام «فزاعة» الوحدة لطرد الفصائل الموالية لأبوظبي، فبينما كانت الرياض تضغط لسحب «النخبة الحضرمية» من الساحل بذريعة توحيد القرار الأمني، كانت في الحقيقة تفتح الطريق أمام «مجلس حضرموت الوطني» الذي تم تفصيله في غرف الرياض المغلقة ليكون الواجهة السياسية لهذا الانفصال الصامت، حيث يسعى هذا الكيان إلى سلخ الهوية الحضرمية عن الهوية اليمنية الجامعة، وترسيخ خطاب «الخصوصية» الذي لا يهدف لخدمة أبناء المنطقة، بل لتوفير الغطاء القانوني والسياسي للرياض لتمرير مشاريعها الاستراتيجية بعيداً عن سيادة «اليمن الموحد» أو حتى تطلعات الجنوبيين في عدن.
هذه العزلة الممنهجة لحضرموت ليست سوى قطعة في أحجية أكبر، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسباق الولاء للمشاريع الصهيو-أمريكية في المنطقة، إذ تدرك الرياض أن السيطرة على حضرموت والمهرة هي المفتاح الذهبي لضمان أمن «الممر الاقتصادي» الذي يربط الهند بأوروبا عبر الأراضي المحتلة، فمن خلال عزل الشرق اليمني، تضمن السعودية توفير ممر بري آمن وبعيد عن تهديدات القوات المسلحة اليمنية في البحر الأحمر، مما يجعلها «الشريك الأكثر موثوقية» في نظر واشنطن وتل أبيب لتأمين تدفقات الطاقة والسلع دون المرور بمضيق باب المندب، وهو ما يفسر الإصرار السعودي على تثبيت قواعد عسكرية دائمة في «وادي حضرموت» تحت ستار حماية المنشآت النفطية.
وفي خضم هذا المشهد، يتجلى التوظيف السعودي للمرتزقة المحليين كأدوات لتنفيذ أجندة «التفتيت الوظيفي»، حيث يتم إغراق حضرموت بوعود التنمية والرفاه مقابل التخلي عن السيادة، بينما الحقيقة أن كل لتر نفط يُستخرج وكل شبر يتم عزله يصب في مصلحة تأمين عمق استراتيجي للكيان الإسرائيلي الذي يبحث عن منافذ بحرية بديلة عبر بحر العرب، وبذلك، تكون الرياض قد نجحت في تحويل حضرموت من عمق استراتيجي لليمن إلى خنجر في خاصرته، مستغلةً حالة الفراغ السياسي لفرض مشروع «الانفصال المفصل» الذي يخدم العرش السعودي ويؤمن مصالح الاحتلال، في واحدة من أخطر ألعاب التزييف السياسي التي شهدها التاريخ الحديث للمنطقة.
خنق النافذة الأخيرة
وفي مشهد يتجاوز مجرد الصراع على النفوذ المحلي، تندفع الرياض بكل ثقلها العسكري والسياسي لإحكام قبضتها على محافظة المهرة، البوابة الشرقية والنافذة الوحيدة المتبقية لليمن نحو العالم الخارجي عبر سلطنة عمان، حيث لم يعد خافياً أن الدفع بقوات «درع الوطن» المستحدثة والممولة سعودياً بالكامل لم يكن يهدف إلى «تأمين المنافذ» كما تزعم الأبواق الإعلامية للمملكة، بل هو استكمال لمخطط استراتيجي خبيث يسعى لتحويل هذه المنطقة السيادية إلى «منطقة عازلة» منزوعة السيادة اليمنية.
وهذا ما أكدته التحركات الأخيرة في يناير 2026م عبر السيطرة المباشرة على منفذي «شحن» و»صرفيت» الحدوديين. إذ أنه، وتتويجاً لهذا المسار التدميري، ينتقل المشهد من غرف العمليات العسكرية إلى خنق الشرايين الاقتصادية عند «النافذة الأخيرة» لليمن، حيث تحولت المنافذ البرية مع سلطنة عمان في «شحن» و»صرفيت» من جسور للتواصل الإنساني والتبادل التجاري إلى مقصلة اقتصادية تدار بأوامر مباشرة من اللجنة الخاصة السعودية، وفي ظل انتشار قوات «درع الوطن» المستحدثة.
وتؤكد التقارير الميدانية الصادرة عن الغرفة التجارية في المهرة أن نسبة تدفق السلع والاحتياجات الأساسية تراجعت بشكل حاد نتيجة فرض إتاوات غير قانونية وتعقيدات إجرائية متعمدة، تهدف بالدرجة الأولى إلى تجفيف منابع العيش الكريم لأبناء المناطق الشرقية وإجبارهم على الارتهان للمشاريع «الإغاثية» السعودية التي تُستخدم كغطاء لتثبيت الاحتلال الناعم، وهو ما يراه مراقبون اقتصاديون فعلاً تدميرياً ممنهجاً يسعى لكسر إرادة الصمود الشعبي المناهض للتواجد الأجنبي.
وبينما يرزح المواطن اليمني تحت وطأة هذا الحصار «الشقيق»، تكتمل فصول المؤامرة بربط هذا التضييق الاقتصادي بمتطلبات «الممر الاقتصادي» الصهيو-أمريكي، إذ يهدف إفراغ محافظة المهرة من سيادتها التجارية وتحويلها إلى منطقة عازلة إلى تأمين الطريق البري البديل الذي يخدم مشاريع التطبيع الكبرى، حيث تتلاقى الرغبة السعودية في مد أنبوب النفط مع الطموح «الصهيوني» في إيجاد مسارات لوجستية بعيدة عن استهداف القوات المسلحة في البحر الأحمر، وهذا التماهي المطلق بين أجندة الرياض ومصالح سلطات الاحتلال يفسر الإصرار السعودي على عزل حضرموت والمهرة عن السياق الوطني اليمني، وتحويلهما إلى «كانتونات» وظيفية لا تملك من أمرها شيئاً سوى تقديم الخدمات الأمنية واللوجستية لمشاريع الهيمنة الغربية.
وفي الختام، يتجلى بوضوح أن السعودية، التي فشلت في إخضاع اليمن عبر ترسانتها العسكرية المثقلة بالبارود الأمريكي، تحاول اليوم إعادة إنتاج مشروعها التفتيتي عبر هندسة انفصال «مفصّل» يضمن بقاء اليمن ممزقاً وضعيفاً، ومع تصاعد التنافس السعودي-الإماراتي على تقديم أوراق الاعتماد كوكلاء حصريين للمشاريع الاستعمارية.
ويبقى الثابت الوحيد هو أن طائرات المملكة لم تأتِ يوماً لتوحيد اليمن أو نصرة إنسانه، بل جاءت لتمزيق النسيج الاجتماعي ونهب الثروات السيادية، غير أن وعي الشعب اليمني يظل الصخرة التي تتكسر عليها كل أوهام الوصاية، مؤكداً أن زمن التدجين قد ولى، وأن كل المشاريع التي تُحاك في غرف الرياض وتل أبيب لن تزيد اليمنيين إلا تمسكاً بحقهم في السيادة الكاملة على كل شبر من ترابهم الوطني، وفاءً لتضحياتهم وفضحاً لكل ألاعيب السياسة «الصهيو-أمريكية» التي تحاول عبثاً طمس هوية اليمن ودوره المحوري في نصرة قضايا الأمة وعلى رأسها قضية فلسطين.
