الثورة /متابعات
ما إن انتهى المنخفض الجوي السابق في قطاع غزة والذي كان ضعيف التأثير نسبيا مقارنة بما سبقه، حتى بدأت تتوارد أخبار جديدة عن منخفض جوي شديد الفعالية مقبل مع منتصف الأسبوع.
تابع مدرس اللغة العربية المتقاعد “أبو أحمد” أخبار المنخفض الجوي بتركيز شديد، وقلق أشد، وبدأ في الاستعداد أكثر فأكثر لمواجهته، فهو يعيش مع عائلته الممتدة المكونة من زوجته وأبنائه المتزوجين وأحفاده، في مجموعة من الخيام داخل مدرسة مدمرة وسط قطاع غزة.
شد أعمدة الخيام بمساعدة أبنائه، وأحاطها بعدد كبير من الأكياس المعبئة بالرمال، واضطر لشراء شوادر إضافية للتأكد من عدم وجود احتمال صغير لتسرب مياه الأمطار إلى داخل الخيام.
ومع بدايات المنخفض الجوي مساء الاثنين، حتى اضطربت الخيام بشدة، وبدأت بوادر تطايرها تلوح في الأفق، حاول “أبو أحمد” وأبناؤه التشبت بالخيام ومحاولة تثبيتها، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل مع اشتداد سرعة الرياح وهطول الأمطار بشكل كثيف.
وكشف راصدون جويون فلسطينيون، ومراكز الطقس عن عبور هبات هوائية قطاع غزة ليلة الاثنين/الثلاثاء، بلغت سرعتها 102 كيلو متر في الساعة، وهو الرقم الأعلى المسجل في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال هذا المنخفض.
رياح وأمطار بلا مأوى
“تطايرت خيامنا كأنها أوراق، الرياح كانت شديدة للغاية، أصبحنا في العراء رجالا ونساء وأطفالا، وبقينا وقتا طويلا نواجه الرياح والأمطار حتى لجأنا إلى مسجد قريب فتح أبوابه لاستقبال المتضررين من المنخفض الجوي، ونحن حتى الأن في المسجد لأننا لم نستطع إصلاح خيامنا بفعل تواصل الرياح الشديدة والمنخفض الجوي الصعب”، يقول “أبو أحمد”.
ويؤكد في حديث مع مراسل “المركز الفلسطيني للإعلام”، أن الرجال يمكنهم تدبر أمرهم، لكنه أشار إلى صعوبة الأمر بالنسبة للنساء والأطفال، وقال: “أكثر ما يقتلك هو العجز، فلا أماكن معقولة بقيت لاستئجارها، ولا بيوت بقيت لأقارب يمكن اللجوء إليها، وحتى الجيران ممن بقيت لهم بيوت، فهي ممتلئة بالكامل ولا متسع فيها”.
وبغضب شديد، أكد “أبو أحمد”، أن الحرب في غزة لم تتوقف، بل تبدلت من حرب بالنار والبارود، إلى حرب أخرى أسلحتها نقص الغذاء والشراب والمأوى والعلاج، وفق تعبيره، مطالباً الوسطاء ودول العالم أجمع بالضغط على الاحتلال من أجل إدخال الكرفانات كمرحلة مؤقتة تمهيدا لإعمار المنازل المدمرة.
وقال: “أين نحن حتى يتفرج علينا العالم ونحن نقتل بدم بارد بالآلاف على مدار عامين، ومن ثم نترك للقتل جوعا وبردا وغرقا وهدما، هذا الظلم سيرتد على العالم أجمع، وسيجعل القوانين الدولية وحقوق الإنسان أضحوكة ومادة للتندر والتسلية، فاستفق أيها العالم قبل فوات الأوان”.
ضحايا وكارثة مميتة
ولأمانة النقل، فحالة أبو أحمد ليست الأسوء في قطاع غزة خلال هذا المنخفض، فقد تطايرات آلاف الخيام، وبات ساكنوها في العراء دون مكان آخر يلجئون إليه، وبعضهم تهاوت عليهم بقايا المباني التي لجئوا إليها فقتل منهم من قتل وأصيب من أصيب.
ووفق معطيات نشرها المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، فقد تعاملت طواقم الجهاز مع 7 حالات وفاة نتيجة انهيارات جزئية في مبان آيلة للسقوط، من بينهم طفل توفي جراء البرد القارس، ما يرفع عدد ضحايا المنخفضات الجوية منذ بداية فصل الشتاء إلى 31 شهيداً.
وشدد “بصل”، في تصريحات إعلامية، أن الوضع الإنساني بالغ الخطورة، وأن المباني المتضررة بفعل القصف والتدمير لم تعد تشكل ملاذاً آمنا للسكان، في ظل استمرار هطول الأمطار وشدة الرياح.
وحمل المجتمع الدولي المسؤولية القانونية والإنسانية عما وصفه بـ”الواقع الكارثي”، مطالبا بتحرك فوري وعاجل لتوفير الحماية للمدنيين، ودعم جهود الإغاثة وتأمين مستلزمات الإيواء الآمن.
من جهته قال المكتب الإعلامي الحكومي، في بيان له، إن 7 آلاف خيمة انجرفت وتطايرت خلال اليومين الماضيين فقط، بسبب الرياح وصعوبة المنخفض الجوي.
وحذر “المكتب”، من تداعيات هذا المنخفض والمنخفضات الجوية القادمة وما يصاحبها من موجات صقيع وبرد قارس، والتي تنذر بارتفاع أعداد الضحايا خصوصا بين الأطفال والمرضى وكبار السن، إذا استمر هذا الواقع الإنساني الكارثي دون تدخل عاجل.
وحمل “الإعلامي الحكومي”، الاحتلال المسؤولية الكاملة والمباشرة عن هذه النتائج المميتة باعتبارها امتدادا لسياسات القتل البطيء والتجويع والتشريد، مطالبا المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والحقوقية بالتحرك الفوري لتوفير مراكز إيواء آمنة وإدخال مستلزمات التدفئة والإغاثة دون قيود، وإنقاذ ما تبقى من الأرواح قبل فوات الأوان.
المأساة نتيجة سياسات الاحتلال
مركز “حماية” الحقوقي، عبر عن قلقه من الكارثة الإنسانية المتسارعة في قطاع غزة، حيث تتحول الظروف الجوية القاسية إلى أداة قتل جماعي ضد شعب محاصر ومشرد يعيش على أنقاض منازله أو تحت خيام هشة.
وقال “المركز”، في بيان له إن هذه المأساة ليست طبيعية بل نتيجة مباشرة ومتوقعة لسياسة العقاب الجماعي والتدمير المنهجي للبنى التحتية والسكنية ومنع إدخال المواد الأساسية لإعادة الإعمار، والتي يقف خلفها الاحتلال.
«ايش نعمل؟ كل أواعينا مَية!».. في محاولة لمواجهة البرد والبلل والرياح، يلجأ الشبان في قطاع غزة للبس «الحرامات» وحملها معهم أينما ذهبوا، خارج الخيام المهترئة وخارجها!
وحمل “حماية”، الاحتلال المسؤولية عن كل حياة تزهق تحت الأمطار والبرد، نتيجة منع إدخال مواد البناء والكرفانات، مطالبا بفتح تحقيق دولي في هذه الوفيات الواقعة في قطاع غزة.
وطالب المركز الحقوقي الأمم المتحدة بتفعيل آلية طوارئ إنسانية لبدء عملية إدخال عاجلة وآمنة لآلاف وحدات الكرفانات والخيام ومستلزمات التدفئة والوقود، كخطوة انتقالية فورية لإنقاذ الأرواح.
ودعا مجلس الأمن لعقد جلسة طارئة للنظر في استخدام الآليات الدلية لإجبار الاحتلال على الوفاء بالتزاماته القانونية وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون تأخير
